13 ربيع الآخر 1433

هل رفعت الصين الراية الحمراء بعد خفض مستهدف النمو أم ستعدل المسار؟


كان هناك حديث متواصل بين الناس لسنوات عديدة مرت عن الاقتصاد الصيني، وقوة النمو الدافعة التي يحققها، وأن هذا النمو يجب أن يتجاوز مستوى 8 %، وربما لا يهم ما يحدث في بقية العالم بعد ذلك.

وعام بعد عام كان هناك حاجة إلى توفير فرص عمل كافية لملايين من الشباب الذين يدخلون سوق العمل بغزارة سنويا، لذا فإن القيادة الصينية رأت أن أي نمو دون 8% للناتج المحلي الإجمالي من شأنه وضع خلق فرص العمل في بؤرة الخطر.

لكن مع الخطاب السنوي لرئيس مجلس الدولة "ون جيا باو" يوم أمس الاثنين أمام المشرعين، نوه إلى أن نسبة النمو المستهدفة هذا العام ستكون عند 7.5 %، في حين حافظت بكين على مستهدف نموها فوق 8% منذ عام 2004.

قد تكون أزمة الديون السيادية الأوروبية هي المذنب؟ ربما يكون ذلك منطقيا بالتزامن مع تراجع الطلب من القارة الأوروبية العجوز التي غرقت في بحر الدين، لكن الأمر لا يتوقف بطبيعة الحال عند مجرد استطلاع ما هو طافٍ فعلا على السطح فقط.

فالصين وبعد سنوات من النمو القوي الذي تجاوز 9% وليس 8% فقط ، تبدو بكين بحاجة إلى النظر نحو "جودة أعلى" للتنمية في مدى زمني أطول من الوقت، وهو ما قاله "باو" فعلا للنواب، لذا فإن الاقتصاديين والمستثمرين متفقون على دخول الصين مرحلة من النمو البطيء، ولذلك لم يعد مستوى 8% ذو دلالة هامة.

ويرى بعض المحللين أنه من الواجب على الجميع التعود على درجة النمو البطيء، حيث إن معدل النمو فوق 8% قد يصبح فوق طاقة الاحتمال.

لكن ماذا عن ضرورة خلق فرص العمل التي جعلت من نسبة النمو فوق 8% معدلا حرجا بالنسبة للقيادة الصينية لفترة غير قصيرة؟ في الحقيقة للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نفهم جيدا التحول الديموجرافي الكبير الذي تمر به الصين، والذي أتى بفضل النمو المتسارع، جنبا إلى جنب مع سياسة "الطفل الواحد" للأسرة.

ومع ارتفاع معدل العمر للسكان تبدو قضية توفير فرص العمل للشباب صغير السن ليست بنفس درجة الأهمية عما كانت من ذي قبل، فالصين كانت بحاجة لعشرة ملايين فرصة عمل سنويا مع أوائل العقد الأول من القرن الحالي، لكنها اليوم تحتاج إلى نصف هذا العدد تقريبا.

وفي الواقع، فإن بعض المناطق في الصين تعاني نقص العمالة، حيث توافد الشباب على العديد من المصانع على طول ساحل البلاد، في حين أنهم وجدوا أن الأمر لا يحتاج إلى كثير من المعاناة بالسفر بعيدا عن المنزل، وربما يكون هذا هو أهم الأسباب في قيام الحكومات المحلية برفع الحد الأدنى للأجور.

وقامت حكومات مدينة شنغهاي، فضلا عن مقاطعة "شاندونج" برفع الحد الأدنى للأجور الأسبوع الماضي، وهو الأمر الذي يأتي ضمن سياسة البلاد الرامية إلى تعزيز الاستهلاك المحلي، فضلا عن جذب العمالة نحو المناطق التي تفتقر إليها.

وبهذا فإن تباطؤ النمو وارتفاع الأجور سيكونان سمة الاقتصاد الصيني الجديد، فالبلاد سوف تكون في حاجة إلى تعلم كيفية التعايش مع ارتفاع معدلات التضخم الذي أبقت الحكومة مستهدفه لهذا العام عند 4% دون تغيير من عام 2011.

وعلى الرغم من تباطؤ معدله خلال الشهور الأخيرة الماضية إلا أن التوقعات على المدى الطويل قد لا تبدو بهذا التفاؤل، وبما يبرر السياسات الحالية، حيث من المنتظر أن يبلغ 5% في المتوسط خلال العقد القادم، بالمقارنة مع 2% على مدى السنوات العشر الماضية.

إن المحللين الاقتصاديين يبدون مقتنعين بأن الصين تتحول من طفرة نموها الذي كان بمثابة معجزة كبرى إلى معدل طبيعي معتاد، وهو ما يفسر عدم حاجتهم إلى القلق بشأن إضافة الجديد من الوظائف، وبالتالي قلة "الإلحاح" لتقديم دعم لتكلفة الكهرباء والمياه، والنفط بالطبع للمنتجين.

لقد تمتعت الصين بسنوات نمو قوية، خصوصا بعد انضمامها لمنظمة التجارة العالمية عام 2001، حيث تجاوز معدل نمو ناتجها المحلي الإجمالي 9 % العام الماضي بالمقارنة مع 4% قبل الانضمام، وترجم هذا النمو في زيادة معدلات الادخار، وفائض كبير للحساب الجاري تأرجح بين 9.9% عام 2007 إلى 4.4% عام 2011، بالمقارنة مع 2% قبل دخول المنظمة.

لا تبدو الصين سترفع الراية الحمراء قريبا، لكنها مقبلة بلا شك على مرحلة جديدة من تاريخ اقتصادها تحتاج فيها إلى التركيز على "القيمة المضافة"، حتى تستطيع الاستمرار في النمو، بدلا من تحقيق نمو قياسي في فترة قصيرة يعقبها عواقب وخيمة إذا لم يتم ضبط السياسات والتكيف مع المتغيرات الدولية.

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار