26 ربيع الآخر 1433

تنافس صيني - هندي على «السـوق الكبير»


يحفظ «السوق الكبير» في بر دبي الكثير من أسرار دبي التجارية، فهو واحد من بين أماكن عدة في الإمارة تفصح عن تفاصيل متنوعة، ليس فقط عن التاريخ الاقتصادي لها، بل أيضاً عن مدى أهميتها الدولية، وعبقرية موقعها، وقوة تأثيرها الممتد في المنطقة من أقصاها إلى أقصاها، فالسوق الذي يعج بالناس من الصباح الباكر إلى غروب الشمس، إذ تتزايد حركة البيع والشراء، أصبح محط أنظار التجار الصينيين، الذين يدركون جيداً أهمية أن توجد في قلب هذا المكان، ما يشعل المنافسة بينهم وبين التجار الهنود، الذين انطلقوا مع تدشين هذا السوق منذ عقود طويلة، فالتنين الصيني يود أن يسكن «تاج محل الهندي» في دبي، ويتشارك معه الاستفادة مما يمكن أن يقدمه هذا السوق المحوري للتجارة والتجار.
ويمكن لزائر الأسواق القديمة في دبي، خصوصاً «السوق الكبير» المطل على الخور في منطقة بر دبي، أن يدرك تأصل التجارة كنشاط اقتصادي يبرز أهمية الإمارة عاصمة تجارية للمنطقة، كما يمكنه أيضاً أن يلمس عن قرب قدرة أسواقها على التفاعل والتطور، على الرغم من الإطار التراثي الذي يلتصق بهذا السوق العتيق، ويحد من رغبته في المعاصرة.
«السوق الكبير» في بر دبي هو أحد الأسماء التي تعكس نظرة من يعملون فيه من جنسيات عدة، أبرزهم الهنود، الذين باتوا يواجهون الآن منافسة شرسة مع التنين العظيم القادم من الصين مرتكزاً على ناصية دبي، فالسوق، الذي يمثل ذاكرة دبي التجارية، وهو المتخصص في تجارة الأقمشة والملابس والتحف والتراث ويمتد عمره لأكثر من 150 عاماً، يبقى شاهداً على عظمة التطور التجاري في الإمارة صغيرة المساحة، كبيرة التأثير وعظيمة التواصل.
وبحسب تقرير لدائرة التنمية الاقتصادية في دبي، فإن «(السوق الكبير) في منطقة بر دبي، هو السوق الرئيسة لتجارة الأقمشة النسائية والرجالية في الإمارة»، مشيراً إلى أنه «منذ القدم يعرف عن السوق انتشار التجار الهنود الذين يمثلون عموداً فقرياً للتجارة، ليس في هذا السوق فقط، بل في أسواق أخرى مرتبطة به، منها سوق (مينا بازار)، القريب من (السوق الكبير) والذي يقع في المنطقة نفسها».
مستجدات السوق
هناك مستجدات أخرى على وضع «السوق الكبير» باتت ملحوظة خلال السنوات القليلة الماضية، فالمحال المتراصة في صفوف متلاحمة في خط بصري رائع، التي كانت تتنافس لجذب السياح القادمين عبر خور دبي باستخدام العبرة التقليدية، أصبحت تتطلع إلى أسواق ما وراء دبي، في كل من منطقة الخليج والشرق الأوسط وإفريقيا، إذ يعد السوق الآن وجهة المستوردين الراغبين في الاستفادة من موقع الإمارة الاستراتيجي، ومن سهولة عمليات إعادة التصدير وتراجع كلفة الاستيراد.
ولاحظ مراقبون للسوق أن ارتفاع الطلب على الوجود في هذا السوق والمنافسة القوية بين التجار، أديا إلى زيادة أسعار العقارات التي تقع في نطاقه، فسعر بناية في السوق الكبير يصل إلى 16 مليون درهم، في حين أنها قد لا تزيد على ثلاثة طوابق، ويمكنها أن تدر دخلاً سنوياً لا يقل عن 1.6 مليون درهم سنوياً من إيجار المحال، وذلك بحسب إعلانات تنشر بين الفينة والأخرى في وسائل الإعلام، كما يمكن مشاهدة إعلان آخر عن بناية في السوق ذاتها مشابهة للأولى معروضة بـ17 مليون درهم.
لكن تقريراً لدائرة التنمية الاقتصادية في دبي حصلت «الإمارات اليوم» على نسخة منه، قال إن «التجار الصينيين بدأوا يدخلون السوق بقوة منذ أكثر من عام»، لافتاً إلى أن «مجموعة منهم استأجروا أحد المباني في السوق على طابقين، إلى جانب الانتشار في محال أخرى، لاسيما في السكك الداخلية داخل السوق»، مؤكدين أن «عدد تلك المحال بلغ أكثر من 30 محلاً تجارياً لبيع الأقمشة بالجملة».
وقالت مصادر مطلعة إن «التجار الصينيين عرضوا أسعاراً مرتفعة على بعض التجار الهنود نظير إخلاء محالهم»، مشيراً إلى أن «عدداً كبيراً من التجار الهنود رفضوا العروض الصينية، واتفقوا في ما بينهم على عدم السماح بالتغلغل الصيني الذي يضعهم في منافسة قوية، ربما يتفوق فيها الصينيون، أصحاب البضائع ذات الأسعار المنخفضة».
البحث الميداني
وقال رئيس قسم الرقابة الميدانية في قطاع الرقابة التجارية وحماية المستهلك في دائرة التنمية الاقتصادية في دبي، إبراهيم بهزاد، إنه «بالنسبة للأسعار التي يتم فيها بيع الأقمشة، فقد لوحظ من البحث الميداني أن أسعار الأقمشة الصينية، أو التي يتم بيعها من قبل المحال الصينية أقل من الأسعار التي اعتاد عليها السوق»، لافتاً إلى أن «ذلك ربما يعني نوعاً من محاولة إغراق السوق، خصوصاً أن الأقمشة الصينية يتم استيرادها مباشرة من المصانع في الصين، فيما يقوم بقية التجار باستيراد الأقمشة من تجار الجملة بالخارج، أو التجار المحليين بأسعار أعلى، ما يعطي الصينيين مزايا نسبية عن بقية التجار في السوق».
وأضاف أن «هناك تجاراً هنوداً شكوا لمفتشي الدائرة عدم عدالة المنافسة مع نظرائهم الصينيين»، مشيراً إلى أن «التجار الهنود قالوا إن ممارسات المحال الصينية غير تنافسية وتجذب المتعاملين والسياح، فضلاً عن انتهاجهم أساليب إغراقية، وترويجهم بضائع أقل جودة».
وأوضح أنه «يوجد محال صينية تروج لبضائعها من الصين مباشرة من دون العبور على محطة دبي، إذ إن بعض التجار الصينيين يملكون مستودعات هائلة في إمارات الدولة، ذات كلفة أقل من كلفة التخزين في دبي».
مراكز تسوق
وعلى الرغم من مراكز التسوق التي تبنى في دبي سنوياً، ومنها أضخم مول في العالم، وهو «مول دبي» الذي طورته شركة «إعمار العقارية»، إلا أن أسواق دبي القديمة تبقى مركزاً مهماً للسياحة، والتجار الأفارقة الباحثين عن البضائع التراثية والأقمشة وأنواع البخور والتوابل والذهب والحلي والمواد الغذائية، والعطور التي ينتشر عبقها في المكان، فتعطي للسوق الكبير نكهة يعرفها السياح.
ويقول جونسون كلارك، وهو سائح بريطاني يزور السوق للمرة الأولى، إنه يهوى زيارة الأسواق القديمة، فهي تحفة فنية منحوتة بالزخارف الجميلة المختلفة والتشكيلات المتنوعة، كما أن الأسعار بها أرخص كثيراً من مراكز التسوق الكبرى»، ويضيف «نستمتع برحلة العبرة قدر استمتاعنا بشراء البضائع ذات الأسعار المنخفضة».
ويؤكد أن «الأسواق القديمة تعد مركز النشاط الاقتصادي في الماضي، إذ كانت تتم عمليات البيع والشراء للحصول على السلع والخدمات»، مشيراً إلى أن «السوق المتمركز في وسط المدينة قرب شاطئ الخور، نزهة متكاملة، نذهب هناك للسياحة والشراء والاستمتاع بأجواء السوق».
تاجر إفريقي، يدعى أندريه، كان يتجول في السوق، باحثاً عن مشتريات خاصة به، بعد أن أنهى صفقة لشراء أقمشة ومستلزمات ديكور من أحد التجار الصينيين في السوق، قال لـ«الإمارات اليوم» إنه يعمل في مجال استيراد الأقمشة، وهو يستورد كميات من الأقمشة لبلدان عدة في القارة السمراء، إذ يتمكن من خلال السوق من الحصول على أفضل الأسعار»، ويضيف «أتعامل مع بعض التجار الصينيين الذين يملكون بضائع حاضرة، كما أن التجار الهنود أيضاً يمكن عقد صفقات عدة معهم، فهم يقدمون لنا خدمات ممتازة كمستوردين، وسياح أيضاً».
وبحسب بيانات وزارة التجارة الخارجية، فإن قيمة تجارة الإمارات مع دول القارة الإفريقية بلغت نحو 18 مليار دولار العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 25٪ مقارنة بعام .2010
شركاء التجارة
وتكشف بيانات مجلس دبي الاقتصادي، أن الصين هي ثاني أكبر شريك تجاري في العالم مع دبي، إذ ارتفعت قيمة التجارة الإجمالية لدبي مع الصين من 14 مليار درهم عام 2003 إلى 42 مليار درهم عام ،2007 أي بزيادة بلغت ثلاثة أضعاف»، مؤكدة أنه «على الرغم من تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية في سبتمبر ،2008 وحالة الكساد التي لفت العالم مطلع عام ،2009 حافظت تجارة الإمارة مع الصين على وتيرتها، واستمرت بالنمو لتبلغ 46 مليار درهم عام 2010».
وبلغت قيمة إجمالي تجارة دبي مع الصين خلال العام الماضي نحو 50 مليار درهم.
وفي السياق ذاته، تقول هيئة الجمارك الصينية إن معظم المنتجات التي صدرتها الصين إلى الإمارات أعيد تصديرها إلى دول أخرى في الخليج وإفريقيا وأوروبا، موضحة أن استخدام اليوان في تسوية جزء من التعاملات التجارية يعد نجاحاً لجهود الصين لتشجيع الاستخدام الدولي لعملتها، إذ تعد الإمارات أكبر سوق للصادرات الصينية في العالم العربي، كما تأتي الصين ثاني أكبر مصدر للإمارات بعد الهند.
وتمكّن تسوية التعاملات التجارية بعملة اليوان المستوردين الأجانب من الوصول إلى قاعدة منتجين ومصدرين أوسع في الصين، كما أنها تخفض التكاليف التي يتحملها مستوردو المنتجات الصينية، لأن الموردين في الصين أصبحوا لا يضيفون مخاطر تذبذب سعر الصرف كهامش في سعر المنتج، لكنه على الرغم من ذلك، فإن استخدام اليوان يقتصر حتى الآن على الشركات الكبيرة في الإمارات، بحسب تقارير سابقة، إذ إن معظمها شركات تجزئة ومستوردون للسلع الأولية.
السوق الإفريقية
وقال مسؤول صيني في أحد محال الأقمشة في «السوق الكبير» في بر دبي، رو كي، إن «دبي هي مركز مهم للتجار الصينيين للانطلاق إلى أسواق عدة، أهمها السوق الإفريقية»، مشيراً إلى أن «التجار الأفارقة يأتون هنا إلى السوق الكبير يبحثون عن البضائع الجاهزة، ذات الأسعار الرخيصة، وهذا ما نستطيع أن نوفره».
وأضاف «الأفارقة ربما يواجهون متاعب في الحصول على تأشيرات الدخول إلى الصين للاستيراد مع صعوبة الإجراءات، لذا نستقبلهم هنا، ونعرض عليهم منتجاتنا، ونصدرها إلى بلادهم»، مشيراً إلى أن «السياح الأفراد لا يمثلون اهتماماً لنا في (السوق الكبير)، فنحن هنا في انتظار تجار الجملة والمستوردين».
ورأى أن «هناك منافسة حقيقية مع التجار الأقدم في السوق الكبير من الجنسية الهندية، لكن الصينيين يستطيعون ببضائعهم ذات الكلفة الأقل، وجودتهم التي تزداد تطوراً أن ينافسوا على الرغم من قوة المنافسين، إذ تدعمنا الحكومة الصينية بصورة غير مباشرة وتوفر لنا التمويل، والإمكانات التكنولوجية التي تحسن من عملية الإنتاج».
ويسهم قطاعا النقل الجوي والسياحة، بحصة مهمة في دعم وتعزيز العلاقات الاقتصادية بين الإمارات والصين، بعد أن سجل عدد الرحلات الجوية بين البلدين نمواً بأكثر من 185٪ خلال السنوات السبع الماضية، فيما ارتفعت أعداد السياح بين البلدين، كما تضاعف حجم التبادل التجاري بين دول الخليج والصين 10 مرات خلال السنوات الـ10 الماضية، ليصل إلى 100 مليار دولار.
وتقول مصادر في القطاع المالي إن التعاملات بالعملة الصينية (اليوان) في الخليج تتزايد، لكنها لاتزال ضئيلة في المجمل، كما أن سداد ثمن صادرات الطاقة الخليجية إلى الصين باليوان ليس أمراً متوقعاً قريباً، لكن الاتجاه إلى زيادة استخدام اليوان خليجياً أصبح واضحاً، ويتوقع أن تصبح دبي في الأجل الطويل مركزاً خارجياً رئيساً لتداول اليوان.
السوق الكبير
في السياق ذاته، قال مسؤول المبيعات في أحد محال (السوق الكبير) في بر دبي، سونيل بي بي، إن «الصينيين أصبحوا يحتلون حالياً نحو 25٪ من مساحة (السوق الكبير)، مع زيادة مستمرة في نسبة الزحف الصيني على السوق»، مضيفاً أن «ذلك يعكس حجم الأهمية التي يمثلها (السوق الكبير) لهم في مسألة إعادة التصدير».
وأوضح أن «التجار الهنود إلى جانب استهدافهم التجار والمستورين، إلا أنهم يركزون على التعامل مع السائح الفردي أيضاً ويعتبرونه أساس العمل، إذ تعرض عليه البضائع من الهند ومن الصين، فيختار غالباً الهندية ذات السعر الأعلى مع الجودة الأفضل».
وقال إن «التجار الصينيين يدخلون السوق بقوة منذ أكثر من عام، واستأجروا محال كثيرة في السوق»، لافتاً إلى أن «أسعار الأقمشة الصينية أقل كثيراً من الأسعار التي اعتاد عليها السوق من التجار الهنود، ما يدل على قوة التنافس».
الإمارات والهند
وتجمع الإمارات بالهند علاقات تاريخية عميقة، تمتاز بالانسجام والاتفاق على المستويين الرسمي والشعبي، وتعد وليدة القيم والمزايا الاجتماعية والثقافية المشتركة، التي تشكلت خلال العقود الماضية، نتيجة التفاهم والتقارب السياسي والعلاقات والمصالح الاقتصادية المشتركة.
وتقول دائرة التنمية الاقتصادية في أبوظبي إنه يمكن إرجاع أهمية العلاقات بين الإمارات والهند إلى نقطتين رئيستين: الأولى العمالة الهندية التي تعد الأكثر انتشاراً في الدولة، إضافة إلى التحويلات المالية التي تجريها، والثانية اعتماد النمو الاقتصادي الهندي على استمرار إمدادات الطاقة من الخليج بأسعار معقولة.
وتقدم الإمارات فرصاً تجارية متنوعة ومزايا وحوافز للاستثمار للشركات الهندية والدولية بموقعها الجغرافي والاقتصادي الاستراتيجي بين أسواق أوروبا وآسيا ومناطقها الحرة، إذ يؤكد المجلس الهندي لرجال الأعمال والمهنيين في دبي أن «الشركات الهندية واصلت تكثيف وجودها في دبي خلال الفترة الأخيرة، حيث تحول عدد كبير من الشركات الهندية إلى دبي والإمارات بشكل عام». وبحسب تقرير بحثي لشركة «الماسة كابيتال»، فإن «تعاون منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مع الصين والهند أدى دوراً أساسياً ومهماً في الحفاظ على نموّ تلك المنطقة على الرغم من الأوضاع الاقتصادية الصعبة».
ويتوقع التقرير أن «يزيد اعتماد الصين والهند على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من ناحية توريد الطاقة، خصوصاً أن هذين البلدين في تطور مستمر، والاقتصاد فيهما يتبع مساراً تصاعدياً، في الوقت الذي سيسعى كل واحد منهما لتوسيع علاقاته التجارية مع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتشمل السلع غير النفطية».

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار