24 ربيع الأول 1433

اللؤلؤة الصينية


فهد عامر الأحمدي
    كنتُ أعتقد أن الانجليز هم أكثر شعوب العالم ولعاً بالمراهنات والمقامرات حتى تجولت في الصين عام 2011 وأدركتُ أن الصينيين لا يقلون عنهم هوساً وجنوناً . فرغم أن المقامرة ممنوعة رسميا هناك - لسبب وجيه - لايزال الصينيون يراهنون في كل مكان، وعلى أشياء لا تخطر على البال .. ففي احدى الحدائق رأيت مجموعة تقامر على بطة في الماء هل تنعطف ذات اليمين أم ذات اليسار.. ومجموعة من العجائز يتراهنون على مكعبات ترميها امرأة عمياء على الأرض .. في حين تحداني مرافقي الصيني ما إن كان ذلك الطفل (الذي يحبو أمام والديه) سيعود أولا لوالده أم لوالدته !!
وحين كنتُ في شنغهاي صعدت لناطحة سحاب تدعى جن ماو - لمشاهدة المدينة من الأعلى - فوجدت خمس فتيات يقفن خلف طاولة لبيع الهدايا التذكارية.. ولفت انتباهي حينها وجود أصداف بحرية حية داخل حوض زجاجي فسألت إحداهن عنها فقالت "صدف حقيقي داخله لؤلؤ طبيعي" فاستغربت وقلت "ومن يضمن أنني سأجد اللؤلؤة بعد فتح الصدفة؟" ابتسمت وقالت بكل ثقة "أؤكد لك وجود لؤلؤة داخل أي صدفة تختارها" فقلت "حسنا وكم ستكلف؟" قالت "مجانا" (وحين يقول لك الصيني مجانا يستحسن أن تبالغ في الحذر) !!
ورغم أنني لم أصدقها إلا أنني لم أقاوم فكرة اقتناء صدفة تتضمن لؤلؤة طبيعية ؛ فكررت عليها السؤال "متأكدة أنها مجاناً!؟" قالت "أؤكد لك فهي تأتي مع قيمة التذكرة" وهكذا اخترت أكبر صدفة وأخرجتها بنفسي من الحوض.. وحين فتحتها وجدت داخلها لؤلؤة جميلة لم أصدق - رغم تأكيداتها - أنني سأحصل عليها دون مقابل!!
... ولكن قبل أن أغادر بلؤلؤتي الثمينة أخرجت لي شيئا آخر صعب علي مقاومته ...
أخرجت سلسلة فضية اقترحتْ علي (شبكها) في اللؤلؤة لصنع قلادة جميلة ؛ فسألتها "وكم ستكلفني السلسلة؟" قالت "مئة فقط" فوافقت بلا تردد كون المائة يوان لا تساوي أكثر من 59 ريالا.. ورغم أنها بدأت في ثقب اللؤلؤة إلا أنني بقيت مشككاً في نيتها وبقيت بداخلي منتظراً نهاية اللعبة!!
وحين انتهت من خرم اللؤلؤة قدمتها لي كقلادة جميلة وقالت بابتسامة أجمل: "مائة دولار لو سمحت" .. قلت: "ماذا؟ ماذا؟ من أتى على ذكر الدولار".. قالت: "أخبرتك أن اللؤلؤة مجانا ولكن السلسلة بمائة دولار"، قلت بصرامة: "لم تقولي مئة دولار بل قلت مائة فقط"، قالت "ولكنك سائح والسياح يتعاملون بالدولار"، قلت بحدة: "وهل يبدو من لون شعري وعيني أنني من أمريكا"..
وهكذا وضعت القلادة على الطاولة وأصررت على الدفع باليوان .. وفي النهاية وافقت على مضض فأعطيتها 100 يوان فقط (وهذا بالمناسبة أمر آخر لم أفهمه في الصين حيث يمكنهم النزول معك لأدنى سعر تطلبه دون أن يخسروا شيئا بالفعل)!!
... المهم هو ما حصل بعد استلامي للؤلوة ووضعها في جيبي .. فما أن ابتعدت عن الطاولة بخطوتين حتى انفجرت صاحباتها بالضحك (والسخرية منها) في حين فتحت هي محفظتها بغضب وبدأت بإعطائهن بعض الدولارات..
منعني فضولي من الابتعاد كثيرا فعدتُ وسألتها: لماذا يضحكن عليك ويأخذن مالك؟! لم تجبني من فرط غضبها، ولكن احدى زميلاتها قالت بسعادة : نحن نتراهن دائما على السياح بهذه الطريقة؛ إن استطاعت أخذ المبلغ بالدولار ندفع لها نحن، وإن فشلت وأصر السائح على الدفع باليوان تدفع هي لنا بالدولار!!
حينها فقط تذكرتُ الفيلسوف الألماني نيتشة الذي عاش فترة من حياته في إنجلترا وكان دائم التردد على مقهى صغير في لندن . وكان كلما جلس على الكرسي يخرج جنيهاً معدنياً ويضعه أمامه على الطاولة . وحين ينتهي من تناول قهوته ويقرر الذهاب يعود لأخذ الجنيه ووضعه في جيبه مجددا .. ومرة بعد مرة تنبه النادل لهذه الحركة فسأله : سيدي لماذا تضع القطعة النقدية أمامك كلما حضرت وتعيدها لجيبك كلما ذهبت ؟ فأشار نيتشة إلى مجموعة من السادة الإنجليز في المقهى وقال: لأنني سأمنحها لك في اليوم الذي لا يتحدثون فيه عن المراهنات وسباقات الخيل!!
... ومازالت اللؤلؤة في (جيبي) تذكاراً لانتصاري الوحيد في الصين!!

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار