14 ربيع الأول 1433

الأوبرا الصينية ما زالت تجادل أوروبا


الشيماء خالد
انسابت النغمات كتفتح أزهار الفاوانيا وتحليق طيور الكركي على بحيرة قويلين الصينية البديعة خلال حفلة أحيتها «أوبرا بكين» في أبو ظبي من تنظيم مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام بالتعاون مع مؤسسة سلطان العويس الثقافية، ووزارة الثقافة الصينية، لتنتقل أخيراً إلى قطر وعُمان. أتت هذه الحفلة مع بداية العام الصيني (عام التنين 2012)، وأبرز ما قدمته أوبرا بكين في محطتها الخليجية ثلاثة بعنوان «الهواء والرقص منذ قديم الزمان» ومعزوفة «الإلهام»، وأخرى تعرف بـ «ساريها السعيد».
كانت الحفلات بقيادة المايسترا جو مان، التي اكتسبت شهرة واسعة بقيادتها الأوركسترا في حفلات أوبرا مثل «توراندوت» و«لاترافيتا» و«ريغوليتو» و«الفارس الريفي» و«حلم ليلة منتصف الصيف» و«كارمينا بورانا». كما تألقت في الأوبرا الصينية الجديدة حين قادت الأوركسترا في «الفتاة ذات الشعر الأبيض»، وحازت إعجاب النقاد في أوبرات صينية شهيرة مثل «وداعاً يا محظيتي» و «قصة الحب في ره وا يو». وزادت حفلة أبو ظبي بريقاً السوبرانو قوه تشانغ تشانغ، خريجة معهد الموسيقى الوطني في باريس وحائزة الجائزة الذهبية الصينية ضمن المسابقة الدولية للموسيقى- 2007، وجائزة التميز في مسابقة بورغون الدولية للموسيقى في فرنسا- 2009. بدأت تشانغ بأغنية «أحبك يا صين»، ثم غنى التينور لي شوانغ، الفائز بجائزة مسابقة مالديني الدولية في مانتوفا الإيطالية-2007، ويذكر كثيرون أداءه الفريد في دور البطل في «لوسيا في لاميمور»، تلك القصيدة الشعبية المشهورة غناءً.
طريق الحرير الموسيقية
وعبّرت المايسترا جو مان لـ «الحياة» عن سعادتها «بزيارة الخليج العربي، فالعالم العربي ككل تربطه بالصين أشياء كثيرة وربما الموسيقى من أهمها، لهذا قدمنا معزوفة صينية طرب لها الجمهور العربي بالذات كثيراً، إذ تميّزت بلحن يكاد يكون عربياً خالصاً، والأمر بديهي لأن عبق الشرق يجمعنا». وأشارت جو مان، التي لم تتجاوز الثلاثين من العمر، إلى أن المؤلفات الموسيقية في أوبرا بكين غالبيتها من إبداع موسيقيين صينيين كبار وبعضهم شباب.
وبالعودة إلى التقارب الثقافي بين الصين والعالم العربي، الجدير ذكره أن الصين أيضاً استضافت عدداً كبيراً من المشاركين في مهرجان الفنون العربية الذي أقيم في بكين خلال الأعوام الأخيرة، ولعلّ هذا يذكرنا بـ «طريق الحرير» بين الصين والعالم العربي، وتقول المايسترا إن «طريق حرير موسيقية هو كل ما نحتاج إليه».
وراكمت دار الأوبرا الوطنية الصينية إرثاً فنياً متنوعاً منذ تأسيسها عام 1952، وهي تابعة لوزارة الثقافة الصينية. كما تعاونت مع دُور أوبرا شهيرة ومشاهير الفنانين حول العالم، مثل التينور لوتشيانو بافاروتي وخوسيه كاريراس وبلاسيدو دومينغو.
ربما ما زالت الأوبرا الصينية مجهولة إلى حد ما بالنسبة إلى الجمهور العربي، علماً أن الأوبرا بحد ذاتها وصلت إلى العالم العربي في القرن التاسع عشر، مع مولد المسرح الغنائي على يد أبي خليل القباني الذي قدم مسرحيات غنائية عدة في مصر ودمشق، على رغم أن ما أتى به القبّاني لا تكتمل فيه شروط الأوبريت بمفهومها الغربي، إلا أنه قدَّم مطبخاً عربياً مشرقياً للأوبريت. وكما هو معلوم، فإن منشأ فن الأوبرا إيطالي منذ أواخر القرن السادس عشر، وتُعتبر أوبرا «دافني»-1597 لجاكوبو بيري هي الأوبرا الأولى، لكن أشهر المؤلفين الأوائل للأوبرا كان كلاوديو مونتفيري (1567-1643) الذي لا تزال أعماله تعرض وتؤدى حتى اليوم. وفي أقصى الشرق، في الحضارة الصينية العظيمة، نشأ نوع من الأوبرا يراه بعض الباحثين بعيداً من التأثر بالأوبرا الإيطالية، إذ بدأت أوبرا بكين كفن فولكوري ينبع من حياة عامة الناس. فيما ينفي الدارسون فكرة أن الأوبرا فن دخيل على الموسيقى الصينية، مؤكدين أنه أشهر فن تُعرف به المسارح الصينية، ويرجع تاريخ الأوبرا الصينية الى أكثر من مئتي سنة، إذ تفرّعت عن المسرحيات الإقليمية العريقة في الصين القديمة، ومن أهمها مسرحيات «هوي بان» التي كانت منتشرة في جنوب الصين في القرن الثامن العشر. وفي عام 1790 دخلت فرقة «هوي بان» للمرة الأولى مدينة بكين خلال الاحتفالات بعيد ميلاد الإمبراطور.
وتعتبر أوبرا بكين فناً شاملاً، يضم التمثيل والغناء والتلاوة والرقص المتضمّن فنون القتال التمثيلية. ويرى الخبراء أن نهاية القرن الثامن عشر تعد مرحلة مزدهرة في تاريخ الأوبرا الصينية، إذ كانت تعرض بكثرة لعامة الشعب وداخل القصور على حد سواء. وفي خضم تطبيق ما عرف في الصين أخيراً بسياسة الإصلاح والانفتاح، حققت أوبرا بكين تطوراً بعدما حظيت بدعم حكومي غير مسبوق.
معاهد كونفوشيوس
من اللافت أن للمكياج والأزياء وألوانهما ورسومهما مدلولات رمزية مهمة جداً في العروض التقليدية للأوبرا الصينية، تختلف عن قرينتها الغربية. فاللون الأبيض مثلاً يعكس شخصية غدّارة وشريرة، والأسود يدل إلى الشجاعة، أما الأحمر فيعني الإخلاص. وفي العادة، تكون هذه الألوان مبهرة، ذلك أن أوبرا بكين كانت عروضها تؤدى على أنوار مصابيح زيتية ضعيفة. أما الرسوم فتدل إلى مكانة الشخصية، فالتنين يعني مكانة عالية للرجل، وكذلك الطاووس بالنسبة إلى المرأة. ويرى الكاتب جون فيتزباتريك أن الكلام بمنطقية وأمانة عن شيء معقد مثل الأوبرا وتاريخها، يجعل من الأمر مغامرة، خصوصاً في ما يتعلق بالاختلاف بين الشرق والغرب، معتبراً أن حتى الاعتقاد السائد بأن الأوبرا فن أتى من الغرب، أمر يحتمل نقاشاً. وكتب بعض الباحثين الغربيين أن الأوبرا الصينية تقوم على إضاءة متباينة لما هو مماثل، ما حدا بالبعض إلى اعتبار الفروقات بين الأوبرا الصينية والغربية، مع أخذ اللغة ودلالاتها في الاعتبار، تفصل بين النوعين تماماً.
ويقول الصحافي الصيني منج هانيو في تصريح لـ «الحياة» إن معاهد «كونفوشيوس» كانت السبب الرئيس في انتشار فن الأوبرا باللمسة الغربية في الصين، خصوصاً في الجنوب. ويرى هانيو أن الأوبرا الشرقية كانت موجودة منذ القدم، على رغم أن بعض الدارسين الغربيين يرفضون تسميتها بالأوبرا، في إصرار على أن هذا الفن وليد العالم الغربي. لكنه يقرّ، في الوقت نفسه، بأن الأوبرا الصينية كانت منذ البدء مختلفة جداً عن نظيرتها الغربية، ويرجح أن وجوه التشابه بدأت تظهر حديثاً في ألوان المسرح والإضاءة والنمط الموسيقي أيضاً، إذ «يصر الجيل الجديد على إدخال الكثير من الأوبرا الأوروبية في السياق القصصي، خصوصاً تلك المتمتعة بنكهة إيطالية». إلا أن الجمهور الصيني عموماً، وفق هانيو، ما زال يتفاعل بقوة مع الأسلوب الصيني الخالص، على رغم كل التحديثات، معتبراً أن المغزى والأسلوب والتيمة العامة مختلفة جداً في الأوبرا الصينية، خصوصاً في الجزء التمثيلي والجمهور ما زال يفضل «مشاعر ثقافته» وإن كان منفتحاً على التطوير.

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار