23 صفر 1433

كم من الوقت سيمضي قبل أن تصبح الصين قطبا ثانيا؟


فيليب ستيفنز من لندن
أعتقد أن مادلين أولبرايت كانت أول من وصف الولايات المتحدة بأنها لا يمكن الاستغناء عنها. هذه العبارة التي صيغت خلال أيام مليئة بالنشوة أعقبت انهيار الشيوعية التي كان يقودها السوفيات، عكست قدرة أمريكا الفريدة على إظهار قوتها في أي مكان من العالم.
وبعد أكثر من عقد من التراجع النسبي، ما زال هذا الوصف قائماً على نطاق واسع. وحتى في الوقت الذي تجبر نهضة البلدان الناشئة الولايات المتحدة على التخلي عن طموحات الهيمنة التي طغت خلال الفترة الأولى من رئاسة جورج دبليو بوش، تبقى الولايات المتحدة القوة الوحيدة ذات القدرة العالمية الفعلية.
وهناك بُعد للقوة الأمريكية تتم ملاحظته بشكل أقل، لكنه يظهر إلى العيان بينما يسقط النظام الدولي في حالة من اليأس. وإذا تم بذل محاولة جادة لإعادة إصلاح النظام متعدد الأطراف، فإن الولايات المتحدة ستكون مسمار العجلة في مثل هذا الإصلاح. ومثلما هو الحال الآن، الولايات المتحدة أيضا هي أيضا البلد الذي يستطيع المضي بمفرده.
وثمة مفارقة مذهلة في هذا الجانب، هي أن اللاعب الذي يقف في وسط النظام العالمي الحالي سيكون لديه القليل مما يخسره من نهاية هذا النظام، مقارنة بالآخرين. فالولايات المتحدة، بحسب كلمات أولبرايت الرزينة الهادئة، هي أكثر القوى العالمية اكتفاءً ذاتياً.
والحديث عن تراجع أمريكا ينطوي على مبالغة كبيرة. ستظل الولايات المتحدة القوة البارزة – على الأقل الأولى، أو في المقدمة بين نظيراتها – لعدة عقود من الزمن. وتركيز المعلقين المهووس على التاريخ الدقيق الذي تتجاوز فيه الصين أمريكا، بحيث تصبح أكبر اقتصاد في العالم، يتناسى دروس التاريخ.
الحجم الاقتصادي أمر له أهميته، لكن التفوق البريطاني استمر لأكثر من نصف قرن بعد ابتعاد بريطانيا عن ذروة التفوق الاقتصادي. وحتى لو قدر للنهضة الصينية أن تستمر بمعادلة خطية – وهو أمر يمكن أن يتحدى كل خبرات الماضي – فإنها تحتاج إلى عقود قبل أن تبلغ مستوى القوة الأمريكية.
صحيح أنه بينما تواجه إرادة واشنطن تحديا متزايدا سيتعرض النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة، الذي نشأ بعد عام 1945، للتصدع. وصحيح أيضا أن العالم المعولم في العقود الأخيرة من القرن العشرين يخلي السبيل إلى نظام تتحول فيه الدول باتجاه الداخل.
إن انعزالية رون باول في الترشيحات الانتخابية الأولية للجمهوريين تعمل على تضخيم نغمة يتم سماعها بقوة في جميع أرجاء العالم. فالبلدان الناشئة في الشرق والجنوب تتبنى تعريفات ضيقة للمصالح الوطنية وتقاوم التدخلات في السيادة. وحتى في الاتحاد الأوروبي الذي هو موطن تكامل مع ما بعد الحداثة، فإن أزمة اليورو اختبرت بمرارة ما كان يفترض منذ فترة طويلة أنه اندماج للمصالح القومية المتعددة. ومن جانبها تتجه الولايات المتحدة إلى إعادة التخندق. فقد سئمت الحروب، وتراكمت عليها العجوزات والديون. وأعلن باراك أوباما عن تخفيضات كبرى في ميزانية وزارة الدفاع. وستكون أمريكا أكثر تشددا في نشر قوتها العسكرية. وسيكون على أوروبا أن تعتني بنفسها وسيُترك معظم الشرق الأوسط الكبير ليتدبر شؤونه بنفسه. وسيتم تركيز الموارد على استدامة تفوق منطقة الباسيفيك الأمريكية.
وبينما تتخلى واشنطن عن دور شرطي العالم، تنظر السياسة الخارجية للولايات المتحدة في دور واشنطن كمكونة للأحلاف الإقليمية وتحالفات الراغبين الطارئة. وتكاد أوروبا تتخلى تماماً عن ادعاءاتها العالمية في سبيل حماية اليورو. وبكلمات أخرى، العالم الناشئ متعدد الأقطاب يصبح أقل تعددية.
والسؤال الكبير في العقود المقبلة هو إلى أي مدى تمضي هذه العملية: ما مدى الانتصار الذي يحققه هؤلاء على أولئك بينما تتولى النبرة التنافسية زمام الأمور من النبرة التعاونية؟ والسؤال الذي يستحق أن يوجه هو: من يكسب من مثل هذا التحول – أو بصورة أكثر دقة، من الأقل خسارة؟ لن يكون هناك فائز مطلق في لعبة عالمية لا بد فيها من خاسر.
وعلى الرغم من مشاكلها الحالية، تبدأ الولايات المتحدة بميزة هائلة كونها أكثر القوى العظمى ثراءً واستقراراً. وهي الأكثر أمناً من الناحية الجغرافية - ما لم يتخيل أحد أن تغزوها المكسيك أو كندا يوماً ما.
وهي غنية بالموارد الطبيعية. وقد حولت التكنولوجيا الجديدة في استخراج النفط والغاز صناعة الطاقة، ما جعل الولايات المتحدة تتجه نحو الاكتفاء الذاتي. ووفقاً لبعض الحسابات يمكن أن تصبح دولة مصدرة كبيرة. وبالنظر إلى سجلها في مجال انبعاثات الكربون، قد يبدو من غير العادل أن تكون أقل عرضة من الصين أو الهند، مثلاً، للانتقاد بسبب التغير المناخي.
وتم تحديد بعض المزايا الأخرى في بحث من إعداد يوري دادوش، من مؤسسة كارنيجي، في إطار مشروع "الاتجاهات العالمية في 2030" لمجلس الاستخبارات القومي الأمريكي. ومن هذه المزايا أن دخل الفرد العالي في أمريكا يعكس الإنتاجية العالية، وهي تمتلك أفضل مقياس فردي للتنافسية، وتمتلك 28 في المائة من جميع طلبات براءات الاختراع، ولديها 40 في المائة من أفضل الجامعات في العالم، ولديها مجتمع منفتح إبداعي ومرن يجعلها في موقع فريد للاستفادة من التقدم التكنولوجي، ولديها كذلك سجل ديموغرافي رائع، وعدد سكانها يشكل 5 في المائة من سكان العالم.
كل هذه المزايا قبل أن نصل إلى القوة العسكرية. في العام الماضي، أثارت الصين ضجة كبيرة حين دشنت أول حاملة طائرات لها - دون أن يكون هناك أي طائرات على سطحها. وتشغل أمريكا حالياً 11 مجموعة من حاملات الطائرات. والتالية على القائمة هي إيطاليا، باثنتين من حاملات الطائرات.
لا يوحي أي مما سبق أن الولايات المتحدة ستستفيد من التراجع إلى قلعتها القارية. وعلى العكس من ذلك، أصبح اقتصادها أكثر اندماجاً بالتدريج في النظام العالمي. وفي الوقت الحالي تعتمد على الأجانب لتمويل استهلاكها. فالعالم الذي يكون فيه كل شخص لنفسه فقط سيجعل الجميع أكثر فقراً.
إلا أن هناك جزءا ثانياً من هذه المفارقة ستكون فيه الصين الخاسر الأكبر حقا. فهي تبدأ المسيرة فقيرة نسبياً، غير آمنة جغرافياً، ولا تملك أي موارد طبيعية تقريباً، ويعتمد اقتصادها على الأسواق الغربية، وهي بحاجة إلى نظام دولي مستقر ومنفتح. إنها فكرة مثيرة للاهتمام: كم سيمر من الوقت قبل أن تبرز الصين بوصفها البطلة الجديدة للنظام متعدد الأطراف ؟

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار