25 صفر 1433

كيف عاش الصينيون المقيمون فى مصر أحداث ثورة 25 يناير ؟

منذ أن اندلعت أحداث الثورة في شوارع مصر في 25 -1-2011 والتي أنهت حكم مبارك، أصبحت مصر أحد أهم محطات "الربيع العربي". و بعد مرور عام على هذه الأحداث، حاكمت مصر مبارك، ونظمت إنتخابات برلمانية، لكن إلى الآن مازالت البلاد تعيش في بيئة غير مستقرة . فما حال الصينيون الذين يعيشون فى مصر ياترى؟
عاش الكثير من الصينيين وسط إضطرابات "الربيع العربي" التي عصفت بمصر طيلة العام الماضي. من بينهم الطلبة الصينيين المغتربين، و أرباب المتاجر و المطاعم، وربات بيوت تزوجن بمصريين و احتفظن بجنسياتهن الصينية، و ميلو و هو طفل يبلغ من العمر 6 سنوات، جاء مع أبويه اللذان يعملان في مصر و يقيمان على ضفاف نهر النيل.
منذ وقت طويل فقد ميلو متعة النظر إلى الأهرام الواقعة على ضفاف النيل، وأصبح كل يوم يجلس على شرفة بيتهم و ينظر بعيدا إلى الدبابات المنتشرة في كل مكان. و منذ أن انتقل "الربيع العربي" إلى مصر في 25 -1 -2011 أصبح هؤلاء الصينيون يعايشون الأحداث كبقية المجتمع المصري، وينظرون إليها بعين المراقب الأجنبي.
يتابع المجتمع الصيني أحداث مصر عن طريق وسائل الإعلام، في حين تتابع الجالية الصينية في مصر هذه الأحداث من خلال النوافذ التي تنقل لها هتافات الجماهير و دوي الرصاص، و يشعرون بها من خلال إنعكاساتها على تجارتهم. المثير أن هؤلاء لم يكونوا شهداء على التغيير فقط، بل أن الكثير منهم من ترك فيهم التغيير بصمات متفاوتة. ميلو بعد أن عاد من القاهرة، أصبح يحدث أصدقائه بكلمات لايفهمونها ولا يعرف هو معنها الحقيقي، مثل كلمة الثورة.

ويقول هذا الطفل ذو 6 أعوام معلقا على الأحداث: "هؤلاء المصريون لايحبون رئيسهم"
عندما كان الأطفال الصينيون يشاهدون حلقات الشياه و الذئب، كان ميلو و أصدقائه في القاهرة يجلسون في أحد المكاتب و يشاهدون المتظاهرين المصريين وهم يرشقون الشرطة بالحجارة. حيث كانت قناة الجزيرة في تلك الفترة تقدم بثا مسترسلا للمظاهرات التي تجوب الشوارع المصرية.
ميلو كان متابعا مخلصا للأحداث. وقد فسر الأحداث إلى صديقه الذي يصغره بعامين قائلا:"هؤلاء المصريون لايحبون رئيسهم، و لايريدونه أن يواصل العمل"
كل الصينيين الذين عاشوا في مصر خلال الأحداث يمكنهم أن يشعروا بتغير ما في حياتهم. كل شيء أصبح "فوضى"، وهناك الكثير من المجرمين فروا من السجن، هذا الوضع أجبرمدرسة ميلو على إيقاف الدروس، و الطريق الذي كان يسلكه إلى المدرسة أصبح مليئا بالدبابات و شاحنات الجيش.
أغلقت المطاعم الصينية التي كانت تغص بالزبائن خلال الأيام العادية، كما أجبرت المصانع على الإقفال أيضا. و خلال فترة الفوضى شهدت مدينة القاهرة عدة أزمات تزويد بالغذاء والماء. و امتلأ مطار القاهرة بالمغادرين الذين حصلوا على تذاكر سفرهم بشق الأنفس.
يأمل الشعب المصري من ثورته أن تغير وضعه الحالي. و بالنسبة للصينيين الذين يمارسون التجارة في مصر، أحدثت هذه الثورة تغيرا في وضعهم الحالي أيضا، حيث تأثرت تجارتهم كثيرا بالوضع في مصر.
وفقا للوثائق التي وفرها تشنغ جيان نان رئيس جمعية المغتربين الصينيين بمصر، يبلغ عدد الشركات الصينية الخاصة المسجلة لدى وزارة الإستثمار المصرية 1300 شركة، لكن اليوم هناك 300 شركة فقط قادرة على العمل بصفة عادية. و قد مثلت الإضطرابات التي شهدها العام الماضي صدمة كبيرة بالنسبة للكثير من التجار الصينيين، ويقول جيان"أن الإضطرابات تسببت في خسائر تقدر بمليار يوان على الأقل."
و نظرا للإضطرابات التي تشهدها مصر و ركود السوق، خير الكثير من التجار الصينيين مغادرة مصر. و يقول جيان "رغم أن الإنتخابات البرلمانية في مصر قد إنطلقت، إلا أن المهمة الأولى للحكومة القادمة ستكون إعادة الأمن، و ليست المشاكل الإقتصادية، لذا يبدو المستقبل غامضا إلى حد الآن."
طبعا، بالنسبة للصينيين الذين يحبذون السياحة في مصر، فإن التغيير قد جلب لهم بعض التسهيلات، إذ أصبحت السياحة في مصر أقل كلفة. الطالب وانغ شيان جي كانت له تجربة في هذا الجانب، فقد تمتع بالإقامة في غرفة في إحدى الفنادق بـأقل من 60 دولار لليلة بينما كانت تكلفه في الماضي 200 دولار لليلة الواحدة. كما قام برحلة سياحية لثلاثة أيام في منطقة تعرف بإسم "الصحراء السوداء والبيضاء" ولم تكلفه الرحلة سوى 200 يوان، ورغم جمال المشهد الصحراوي، إلا أنه كان هو و أصدقائه الزائرون الوحيدون للمكان.
عندما يركب وانغ تشيان جي مترو القاهرة يلاحظ بأن "محطة مبارك" قد اختفت، فقد تم حذف العلامة و استبدلت بأخرى سميت "محطة الشهداء".

"لقد نصحت الصينيين الذين قدموا في الفترة الأخيرة بأن يعودوا إلى الصين حتى تهدأ الأمور".
بينما يتحدث الصينيون في الصين عن الوضع السياسي المصري، وعن الديمقراطية و الشمولية في مصر، ينشغل بال الصينيون الموجودون في مصر بأشياء أكثر تفصيلا.
ما قو التي عاشت في مصر أكثر من 21 عاما، يعج صدرها بالكثير من مشاعر القلق. فهي لم تشهد مصر بهذه الفوضى من قبل، صعود أسعار المواد الإستهلاكية كان أحد أسباب اندلاع الإحتجاجات، لكن بعد الثورة صعدت أسعار السلع أكثر. قبل عدة أيام كانت علبة السيجارة تباع بـثلاثة جنيهات، أما الآن فهي تباع بسبعة جنيهات، هذا إذا ما تمكنا من شرائها.
هذه " عالمة جيدة للقاهرة" لاتفكر إطلاقا في المصير السياسي العام، و إنما هي منشغلة على الأمن، فبعد الإضطرابات، تدهورت الحالة الأمنية كثيرا في مصر، وتعددت مظاهر السرقة و النهب، و كانت الشركات و المطاعم الصينية و الصينيون المغتربون من بين الضحايا.
في شهر أغسطس من عام 2011، تعرض صيني و زوجته يمارسان التجارة في مصر إلى عملية مداهمة في بيتهما من قبل منحرفين، و قد كانت الزوجة الضحية في شهرها الخامس من الحمل.
تقول ماقو"الحالة الأمنية في القاهرة لم تكن جيدة في السابق أيضا، لكن أغلبية الجرائم كانت تحدث في الضواحي، أما الآن فإن عمليات السرقة و النهب تحدث حتى في الأحياء الراقية. في السابق كان غالبية اللصوص من الطبقة الفقيرة، أما الآن فهناك من يسوق سيارته و أثناء القيادة يمد يده و يسرق محافظ النقود، في النهاية ليس هناك رقيب."
طبعا، تتحدث ماقو أحيانا عن الحرية و مواضيع من هذا القبيل. و عندما تركب ماقو سيارة الأجرة يحدثها السائق بأنه يشعر "بحرية غير مسبوقة".
تقول تشنغ جيان نان "لقد نصحت الصينيين الذين جاؤوا خلال الفترة الاخيرة إلى مصر بالعودة إلى الصين. فمن جهة، مصر الآن غير آمنة، و من جهة أخرى وضع التجارة هنا ليس على أحسن حال. واذا كانت هناك شركات تريد الخروج للإستثمار، فإن مصر لن تكون خيار مفضل."
ساحة التحرير مركز المظاهرات التي شهدتها مصر، كانت المكان المفضل لماقو للإلتقاء بأصدقائها الصينيين، فهناك، المكان نظيف و مرتب، و هي دائما تنصح أصدقائها بالذهاب إليه للتمتع بأشعة الشمس. لكن بعد الإضطرابات التي شهدتها مصر، لم يعد هناك ما هو أخضر في الساحة و حتى أرصفة المترجلين إندثرت"حيث استخدمت كسلاح أثناء المظاهرات."
مضت الأيام 18 التي غيرت مصر، لكن تبعاتها مازالت إلى الآن. ورغم أن القاهرة لم تعد تطبق حضر الجولان، إلا أن الناس جميعا لا يحبذون المكوث طويلا خارج البيت.
في السابق كانت القاهرة كأنها مدينة بلا ليل، حيث تفتح الكثير من المحلات أبوابها إلى غاية 3 صباحا، لكن في الوقت الحالي تغلق ماقو باب المصنع بداية من 10 ليلا. كما لايحبذ الناس الخروج بعد 9 ليلا.
يعد ميلو أكثر ميلا من الكبار للحديث عن السياسة. و عندما يسأله الآخرون، "هل تعلم لماذا هناك الكثير من الضوضاء في الخارج"؟
يجيب قائلا: "أعرف أعرف، لأن الجميع لايحبون مبارك، و يريدونه أن يذهب."
يقول وانغ تشيان جي: "من كان معجب بالثورة فليأتي مكاني، أنا حقا أريد العودة إلى الصين". هذا أيضا ما نسمعه دائما من بقية الصينيين الذين يعيشون في مصر. و الآن عاد ميلو إلى الصين، و بدأ حياة عادية مثل بقية الأطفال الصينيين. لكن حدثت الكثير من التغيرات حوله.
في الفترة الأولى من عودته إلى الصين، كلما سمع عبر النافذة ضجيج أشغال البناء و اللهجات المحلية للعمال، توتر و شعر بالقلق ثم سأل عمه: "لا تقل بأن الفوضى ستندلع هنا أيضا؟ "
يلتفت إليه عمه مبتسما، ثم يواصل ميلو قضاء شؤونه، لكن في نفسه بعض القلق. ميلو يحب الرسم، ولديه صورة رسم عليها جهاز تلفاز بداخله رجلان، و هو يقول بأن هذين الرجلين أحدهما مبارك و الآخر سليمان.

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار