17 ربيع الآخر 1433

النموذج الصيني من الإعتماد على"شعب كادح " إلى الحاجة لـ"شعب مرفه"

وليد عبدالله - باحث تونسي مقيم ببكين

تختلف النهضة الصينية إختلافا كبيرا عن النهضة الغربية، إذ في حين إستغرقت النهضة الغربية مايقارب قرنين من الزمن، و كانت نتيجة لتعاقب و تراكم الكثير من التغيرات و التطورات متعددة المستويات التي بدأت تشهدها أوروبا منذ مطلع القرن السادس عشر، ولد مشروع النهضة الصينية كبيرا، وشمر على ساعديه للعمل منذ أن صاح الزعيم ماوتسي تونغ في ساحة تيان آنمان معلنا عن ولادته في 1 اكتوبر 1949. كان حماس و توق القادة الصينيين لبناء دولتهم وإنهاض أمتهم، يفقدهم قدرة الإنتظار و الصبر قرن أو أكثر لتحقيق أحلامهم، ولهذا عملوا على حرق أكثر ما يمكن من المراحل الطبيعية التي من الممكن أن تستغرقها دولة بحجم الصين للنهوض. لكن حظ القادة الصينيين في تلك المرحلة لم يكن على سبيل المثال مثل حظ القادة البريطانيين أوائل القرن العشرين حينما إستلموا الدولة بعد ثورة صناعية أغرقت بريطانيا في النعيم، و تصلها عائدات طائلة من المستعمرات، كانت المتأتية من الهند فقط تعادل الثروة التي أنجزتها بريطانيا خلال الثورة الصناعية. حيث استلم القادة الصينيون في خمسينات القرن الماضي، دولة مازالت تئن من جراح الإستعمار و الصراع الداخلي، 90 % من سكانها يقطنون الأرياف، و 70% أميين، زد على ذلك تخلف وسائل الإنتاج و البنية التحتية و غيرها من المشاكل التي ترتبط بدول العالم الثالث وخاصة تلك التي تتميز بكثافة سكانية هائلة. في ظل هذه المؤشرات دخل القادة الصينيون معركة بناء دولة بعاملين رئيسيين، هما الإرادة السياسية التي لم تقبل التراجع، و شعب يؤمر فيطيع، و مستعد للتضحية. حيث لعب "الشعب الكادح" في الإقتصاد الصيني الدور الذي لعبه المحرك البخاري والمكننة في إقتصادات أوروبا، لينقل الصين من وضع إقتصادي متردي إلى نقيضه. مرت السنوات و تعاقبت الحكومات، و إنتقلت الصين من الإقتصاد المخطط إلى إقتصاد السوق و من العزلة إلى الإصلاح و الإنفتاح، لكن شيئا واحدا لم يتغير، هو "الشعب الكادح"، فالعمال الذين كانوا منتشرين في طول البلاد و عرضها للتشجير و مد الجسور و إنشاء الطرقات و السدود خلال السبعينات، أصبحت تغص بهم المصانع التي إنتقلت إليهم من وراء البحار بداية من الثمانينات، يقضون فيها وقتا طويلا مقابل أجر زهيد، في خدمة أرباب المصانع المتخلين من أي مسؤولية إجتماعية.
في ظل محدودية الوسائل المتاحة للحكومات الصينية المتعاقبة كان "الشعب الكادح" و تضحياته الكبيرة المورد الأكثر وفرة والأقل تكلفة (مادية) بالنسبة للدولة، و العامل الأنسب بالنسبة للنموذج الإقتصادي الذي يركزعلى سرعة النمو و مراكمة الثروة و عدم إثقال رؤوس الأموال و الدولة بالإلتزامات الإجتماعية. و بفضل إنخفاض تكلفة العمالة و كفائتها مكن هذا النموذج التنموي من إكساب الصين تنافسية كبيرة في الأسواق العالمية، و أصبحت الصادرات القاطرة المحركة للنمو و الضامنة لسرعته. ورغم أن الصين تمكنت عبر هذا النموذج التنموي المتمركز حول النمو السريع للناتج الداخلي الخام، من أن تصبح ثاني إقتصاد عالمي، إلا أن هذا النموذج التنموي أفرز جملة من المشاكل الخطيرة أهمها التلوث البيئي و الإستهلاك الكبير للثروات الطبيعية، و التضخم و إرتفاع أسعار العقارات، و اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء، إلخ. و مع إندلاع الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وما نتج عنها من ركود في الأسواق العالمية و أزمات الديون السيادية و سياسات التقشف، واجهت الصادرات الصينية التي تمثل العصب الرئيسي لسرعة نمو الناتج الداخلي الخام، قوة كبح كبيرة. الأمر الذي عمق الشكوك في النموذج التنموي المتمركز حول الناتج الداخلي الخام، ودفع الصين إلى حتمية التحول إلى نمط نمو أكثر جودة و أقل تأثرا بالأزمات التي تشهدها الأسواق الأجنبية. هذا التحول في نمط النمو الذي إنطلقت الصين في العمل على بلورته منذ بداية "الخمسية الثانية عشرة"، فرض حاجة النموذج التنموي الجديد لشعب يتمتع بقدر معين من الرفاهية ليكون سندا في التنمية، في المقابل أصبح مايسمى "الشعب الكادح" مفهوما تجاوزته الصين، أو بالأحرى ليس من ضروريات المرحلة القادمة، وهذا يعود من جهة إلى تراجع الطلب الأجنبي، و من جهة ثانية، إلى ان تواصل التضحيات الإجتماعية سيعيق نمو الطلب المحلي، في حين أن الصين أصبحت أهم قاطرة تجر الإقتصاد العالمي، و الأحرى أن تركز على الطلب المحلي، و تتخذ الإجراءات الكفيلة بدفع مستوى الإستهلاك. لكن تحول الشعب الصيني من دعامة للصادرات إلى دعامة للإستهلاك يصطدم بمشكلتين رئيسيتين، الأولى هي إرتفاع معدل الإدخار لدى الطبقة الوسطى والثاني هو أن المناطق الغربية الفقيرة غير مؤهلة لتكون أحد روافد الطلب المحلي، في المقابل تشهد طبقة الأثرياء نسبا مقلقة من الهجرة إلى الخارج، و تسجل طلبا كبيرا على العلامات الأجنبية الفاخرة. وعلى هذا الأساس فإن نمط التنمية الجديد في الصين سيسعى إلى التخفيف من أعباء الطبقة الوسطى عبر التحكم في أسعار المنازل و تحسين منظومة الضمان الإجتماعي وبذلك التخفيض من الهواجس التي تدفع الطبقة الوسطى إلى زيادة معدلات الإدخار و التقشف، لزيادة مستوى الإستهلاك. أما الإجراء الثاني الذي يهدف إلى الإرتقاء بمستوى عيش المواطن الصيني، فيتمثل في التوزيع العادل للثروة و تقاسم ثمار التنمية عبر وضع إستراتيجية تنموية للنهوض بالمناطق الغربية التي لم تأخذ حظها من التنمية التي شهدتها الصين خلال العقود الأخيرة. هذا إلى جانب تحسين منظومة العلاج و التأمين على المرض و زيادة عدد مساكن الضمان الإجتماعي، حيث قامت الحكومة الصينية بتخصيص ثلثي إستثماراتها لعام 2012 في تحسين معيشة الشعب.
إن إنتقال الشعب الصيني من "شعب كادح" إلى "شعب مرفه" يندرج ضمن التحول الذي ترغب الصين في إتمامه " من دولة كبيرة إلى دولة قوية"، و من نموذج تنموي يركز على الكم إلى نموذج يركز على الجودة. و إن النجاح في الوصول إلى مستوى "الشعب المرفه" سيعني تحول مطالب الشعب من مطالب نقابية إلى صنف آخر من المطالب التي تقترن بوصول أي مجتمع إلى درجة الرفاهية أو الرفاهية النسبية، وهذا يعني أن المجتمع الصيني سيدخل غمار مرحلة مليئة بالتطورات النوعية خلال العقود القادمة. 

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار