17 ربيع الآخر 1433

تحولات روسيا و الصين



* جاكسون ديل
لم يرقَ الشك لأحد في روسيا حول نتائج الانتخابات الرئاسية ليوم الأحد الماضي، بعدما بدا فوز فلادمير بوتين محسوماً سلفاً، لكن مع ذلك سرت محاولات محمومة للتكهن بالمستقبل وسط ضبابية تلف ما سيقوم به بوتين بعد توليه رسمياً السلطة يوم الاثنين المقبل، حيث سيشرع في ولايته الجديدة من ست سنوات، ليظل السؤال الأساسي في موسكو هذه الأيام هو: إلى متى سيستمر بوتين في السلطة؟

حسب المتحدثين باسم المعارضة، لن تطول مدة الرئيس الجديد القديم، بل يتوقعون نزول مظاهرات حاشدة إلى الشارع احتجاجاً على نتائج الانتخابات، فيما يرى البعض الآخر أن سلطة بوتين قد تستمر بضع سنوات، شريطة أن تحسن الحكومة التصرف مع مطالب الرأي العام المستاء، ومباشرة الإصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة قبل تفاقم الوضع وتزايد الغضب. أما الأكثر تشاؤماً فيعتقدون أن بوتين سيكمل إلى الآخر ولايته الرئاسية من ست سنوات، لكنه لن يتعدى ذلك إلى ولاية ثانية كما يطمح هو شخصياً، وهذا ما أكده لي المواطنون الروس الذين تحدثت إليهم في الأسبوع الماضي، حيث أجمعوا أن الاستبداد لن يعيش طويلاً في هذا البلد.
وفي هذا الخضم يبقى السؤال نفسه، وهو متى يسقط الاستبداد وتطوى صفحته في روسيا؟ سؤال سيبقى معلقاً دون إجابة.

و الحقيقة أن التساؤلات ذاتها يمكن سحبها أيضاً على الصين التي تعاني هي الأخرى من ديكتاتورية قديمة تواجه تحديات المستقبل والقدرة على الاستمرار. فقد جاءت زيارة القائد المقبل للصين، وهو "شي جي بينغ"، إلى الولايات المتحدة بالتزامن مع خطط النظام في بكين لتأمين انتقال سلس وهادئ للسلطة خلال السنة المقبلة.

لكن حتى مخططي الحكومة الصينية لا يرون في النظام السياسي الحالي القدرة على الاستمرار، وهو ما أشار إليه بوضوح تقرير مشترك بين البنك الدولي وخبراء مركز أبحاث التنمية التابع لمجلس الدولة الصيني الصادر في الأسبوع الماضي، والذي انتهى إلى أنه لضمان استدامة النمو الاقتصادي خلال عشرين سنة المقبلة، "لابد للصين من تعديل استراتيجيتها التنموية"، على أن تسمح بالنقاش الحر وتعتمد سيادة القانون وفتح العملية السياسية.
و الحقيقة أن كلاً من الصين و روسيا كانتا بنظاميهما الشموليين من ثوابت النظام العالمي، فهما معاً يعتمدان نظاماً متشابهاً إلى حد ما، ومن ذلك أنهما أحياناً يميلان إلى إبداء العدوانية تجاه جيرانهما. وقد اعتقد حكام الصين وروسيا أنهم قادرون على استدامة هذا النموذج لعقد قادم على الأقل، لكن يبدو واضحاً اليوم أنهم أخطأوا التقدير، فقد تبلور إدراك متزايد لدى بوتين ونظرائه في بكين لطبيعة التحديات والضغوط التي يواجهونها، وكتب بوتين في مقال للرأي نشرته "واشنطن بوست" خلال الشهر الماضي جاء فيه أن "مجتمعاتنا باتت مختلفة تماماً عما كانت عليه في مطلع القرن العشرين، فقد أصبح الناس أكثر ازدهاراً وتعليماً ومطالبهم لا تعرف حداً، والنتيجة أن المطالب تعدت مسألة تحقيق الازدهار". وهو نفس التقييم الذي وصلت إليه أيضاً السلطات الصينية التي جاء في تقريرها سابق الذكر أن "صعود الطبقة الوسطى المتنامي ومستويات التعليم العالي المطردة، ستفرض مطالب الحكامة الاجتماعية وفرصاً أكبر للمشاركة في النقاش العام. وإذا لم يُستجب لهذه المطالب فإنها ستولد توترات اجتماعية".
وبعبارة أخرى لن تسمح الطبقات الوسطى الصاعدة في الصين وروسيا بالإقصاء عن اتخاذ القرار السياسي لعشر سنوات أخرى، ففي موسكو بدأت بوادر ذلك في الاتضاح من خلال المظاهرات الكبرى التي نزلت إلى الشوارع احتجاجاً على التجاوزات التي شابت الانتخابات البرلمانية الأخيرة. كما أن الفضاء الافتراضي في الصين حافل بالأصوات المعارضة التي تتوق إلى التعبير والبروز.
لذلك يبقى السؤال بالنسبة لهاتين الدولتين الكبيرتين ما إذا كان التغيير من داخل النظام أم من خارجه؟ فإما أن تصلح النظام من الداخل، أو تهزها الأحداث كما حصل ويحصل في بعض الدول العربية.
* كاتب ومحلل سياسي أميركي

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار