09 ربيع الآخر 1433

إستراتيجية إحياء الهيمنة الأمريكية والتحديات التي تفرضها على الصين والعالم العربي


بقلم / وليد عبد الله، باحث تونسي مقيم ببكين

لا تتضح العلاقة بين النهضة التي بدأت تشهدها الصين منذ أواخر القرن العشرين والثورات العربية التي إنطلقت مع بداية العقد الثاني من القرن الواحد و العشرين إلا من خلال النظر إليهما من زاوية النظام الدولي وموازين القوى الدولية. حيث إذا نجحت الثورات العربية في تحقيق المطالب الحقيقية للشعوب العربية، فإنها ستكون حجر الأساس لنهضة الأمة العربية وستشكل إلى جانب النهضة الصينية عالما أكثر توازنا ومتعدد الأقطاب، وسيسهمان في الحد من التغول والهيمنة الغربية على الشرق والبلدان النامية. ورغم أن القاطرة الإقتصادية الصينية لم تتحرك بسرعة إلا بعد سياسة الإصلاح والإنفتاح وإنتقال الصين من الإقتصاد المخطط إلى إقتصاد السوق، ثم إنضمامهما إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001 إلا أن ما جعل النهضة الإقتصادية الصينية تحدث كل هذا التغيير في الإقتصاد العالمي، وفي وزن الصين السياسي في العالم هو إنبنائها على أسس السيادة والندية وإستقلال القرار التي رسْخت في حقبة ماو، عبر إنهاء كل الإتفاقيات "المذلة" وغير العادلة مع الغرب و إلغاء الإمتيازات التى حصلت عليها الدول الغربية إما بالقوة أو عبر تواطؤ الحكومات الصينية الحليفة السابقة. وبذلك تمكنت الصين من أن تجمع بين السيادة وإستقلال القرار وبين الفرص التي تتيحها العولمة والإقتصاد الحر، لصياغة نموذج تنموي خاص يفتح لها أفاقا إستراتيجية واسعة ويقوي من وزنها الدولي كقطب مستقل بذاته لا كتابع، وهذا ما أخفقت فيه الدول الآسياوية الأخرى التي إستدرجتها الفرص التي أتاحتها الليبرالية للوقوع في تبعية الأنظمة الغربية. الثورات العربية من جانبها كانت في جوهرها ثورات ضد الهيمنة الغربية، لأن هذه الأخيرة هي التي رعت الحكومات العربية الإستبدادية والفاسدة، و رغم محاولة الغرب و النخب العربية المقربة منه إختزال الثورات العربية في الديمقراطية و العيش الكريم، إلا أن ماكشفت عنه الإنتخابات في تونس و مصر اللتين لم تشهد ثوراتهما تدخلا أجنبيا، هو أن الهاجس الأول لشعبي هذين البلدين هو العامل الذي أراد الغرب و النخب العربية المقربة منه التغاضي عنه، ألا وهو الهيمنة الغربية و مطلب السيادة الوطنية بكل أشكالها، لذلك كانت إختيارات الشعب التونسي والمصري على القوى السياسية التي تتدرج مواقفها تجاه الغرب من الإعتدال إلى الراديكالية. في حين حققت الأحزاب المقربة من الغرب نتائج ضعيفة.

يمكن إختزال ماذكرناه سلفا في أن الثورات العربية التي أطاحت بحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة و أفضت الإنتخابات فيها إلى بروز القوى غير الحليفة لها، قد وضعت الهيمنة الأمريكية و إنفرادها بالزعامة على العالم على المحك، خاصة في ظل النمو الإقتصادي السريع الذي تشهده الصين، الذي ترى فيه الولايات تهديدا لزعامتها. وهو ماجعل الولايات المتحدة تقوم بنقل ثقلها الإستراتيجي العسكري إلى شرق آسيا والمحيط الهادي. لكن هذا لايعني أن الولايات المتحدة ستترك العالم العربي طليقا، بل هو أيضا شمله التعديل الذي أجرته أمريكا على إستراتيجيتها العالمية. في محاولة منها لبسط هيمنتها على القوى التي من الممكن أن تهدد في وقت لاحق زعامتها على العالم.

- إستراتيجية إحياء الهيمنة الأمريكية.
قد تساعدنا العودة إلى التاريخ المعاصر للسياسة الخارجية الأمريكية في كل من العالم العربي و جنوب شرق آسيا على فهم التغيير الذي قامت به الولايات المتحدة على إستراتيجيتها في هاتين المنطقتين خلال الفترة الأخيرة، و إذا تأملنا جيدا في الإستراتيجية الأمريكية في جنوب شرق آسيا والعالم العربي خلال الأربعين سنة الماضية سنجد تشابها كبيرا بين الأمس واليوم بل سنرى أن التاريخ يعيد نفسه لكن بصورة عكسية، ففي عام 1973 خرجت الولايات المتحدة منهكة من حرب فيتنام، التي إستنزفت ما لايقل عن 2.5 تريليون دولار من ميزانيتها وخلفت عشرات ألوف القتلى في صفوف الجنود الأمريكيين. لكن قبل ذلك بعام تقريبا، قام الرئيس الأمريكي نيكسون بزيارة تاريخية إلى الصين (أهم داعمي المقاومة الفيتنامية)باحثا عن السلام، و تهييئة مناخ جديد للعلاقات مع الصين و جنوب شرق أسيا عموما، في الأثناء كان الشاه الإيراني يحرس "بعناية" المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط ويغني عن التدخل الأمريكي المباشر في المنطقة. وفي عام 1979 حدث أمران كان لهما تأثيرا كبيرا على الإسترتيجية الأمريكية في شرق آسيا و الشرق الأوسط. أولا، التطبيع الرسمي للعلاقات الدبلوماسية الصينية الأمريكية في 1-1 1979على يد الزعيم دنغ شياوبنغ مخطط سياسة الإصلاح والإنفتاح و الرئيس كارتر. أما الحدث الثاني، فهو سقوط حكم الشاه و نجاح الثورة الخمينية في 16-1 -1979، و ما أحدثته لاحقا من تأثيرات جيوسياسية في المنطقة. هذان الحدثان كانا مفصليان لتحول أمريكا رأس الأفعى نحو العالم العربي، لضمان تدفق النفط للالة الصناعية والعسكرية الأمريكية، واللعب على النعرات الطائفية والقومية في المنطقة لكسر كل القوى الإقليمية المناهضة وتنفيذ مخطط الهيمنة على المنطقة العربية، والكل يعلم الحال الذي إنقلب إليه العالم العربي بعد التدخل الأمريكي في المنطقة بداية من عام 1980 الذي شهد حرب الخليج الأولى الى الحرب الأمريكية على العراق و أفغانستان و الحرب العالمية على الإرهاب. وفي الوقت الذي تفرغت فيه الإستراتيجية العسكرية الأمريكية للعالم العربي و الإسلامي، دخلت أمريكا في عهود سلام مع آسيا، بعد أن زرعت قواعدها العسكرية في غالبية الدول الشرق آسياوية في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية و أثناء الحرب الكورية على غرار قواعدها في اليابان، كوريا الجنوبية و الفليبين. في هذه الفترة بنت الولايات المتحدة سياستها الخارجية في آسيا أساسا على القوة الناعمة، حيث حصرت علاقاتها مع الصين في الجانب الإقتصادي و أحتفظ كل طرف بمفاهيمه السياسية لنفسه، في حين إعتمدت سياسة العقوبات الإقتصادية مع كوريا الشمالية، أما بقية الدول الآسيوية فإلى جانب تواجد قواعدها العسكرية على أراضيها، فقد نجحت أمريكا في احتوائها إقتصاديا وسياسيا، و تجنيد نفسها لدعم القوى الليبرالية في هذه الدول، حتى أصبحت دول مثل كوريا الجنوبية و اليابان و سنغافورة والفليبين دول تحسب على الأنظمة الغربية، و أحد مكونات القطب الأوحد الذي تتزعمه أمريكا، وحتى فرانسيس فوكوياما (ياباني الأصل) صاحب نظرية "نهاية التاريخ"، صنف هذه الدول ضمن الدول التي شهدت نهاية التاريخ و عمَتها القيم الغربية. 

نعود الآن إلى إستراتيجية إحياء الهيمنة الأمريكية، و نقصد بها التعديل الإستراتيجي الأخير للولايات المتحدة عبر تحويل إستراتيجيتها العسكرية إلى آسيا و المحيط الهادي، بعد فشل إستراتيجيتها العسكرية في الشرق الأوسط، تحديدا حربي العراق و أفغانستان، و إندلاع الثورات العربية، و إدراك أمريكا أنها أهدرت قدراتها في حرب عالمية على الإرهاب عادت عليها بالوبال، و في الأثناء أتاحت للصين متسعا من الوقت للنهوض.

إذن، رأت أمريكا بعد خروجها المذل من العراق، في الثورات العربية لحظتها التاريخية لإجراء "الإنقلاب الشتوي " لإستراتجيتها العالمية بين العالم العربي و شرق آسيا، و تحويل رأس الأفعى إلى الصين تحديدا. أما بالنسبة للعالم العربي فهي تحاول أن تريه جلد الأفعى الناعم، و هي إستراتيجية قديمة بالنسبة لأمريكا و جديدة على العالم العربي، تعتمدها الولايات المتحدة لترويض المارد العربي الذي خرج لها فجأة، و إدخاله من جديد إلى قفص الهيمنة الأمريكية. و تركز هذه الإستراتيجية أساسا على إحتواء الثورات العربية مفهوميا و قيميا، مستفيدة من تجربتها مع دول شرق آسيا،حيث يحاول الخطاب السياسي الغربي حصر الثورات العربية في المفاهيم الغربية ويريد إدخالها آليا في المنظومة القيمية الغربية. في المقابل يحاول الغرب أن يلغي من ذاكرة الثائر العربي أن الثورات العربية قد جائت لإنهاض الأمة من سباتها، و تحريرها من ربقة الهيمنة و التبعية للغرب. حيث تحاول الدول الغربية وضع تعريف غربي لهذه الثورات، ولعب دور الناصح و المرشد لعملية الإنتقال الديمقراطيى، و تقديم نفسها على كونها المحطة النهائية لقطار الديمقراطية الذي ركبته الشعوب العربية للتوْ. وهذا في الحقيقة عملية قولبة و معيرة غربية للثورات العربية، عبر حصرها في معادلة لاتفضي في كل الحالات إلى نتائج تهدد الهيمنة الغربية على المنطقة و على العالم، حتى ولو تصدر هذه الثورات أشد المناهضين للغرب، مستعينة في ذلك بأتباعها في الداخل و المنظمات الدولية التي ستقيم التجربة الديمقراطية وفقا للمنظور الغربي، و المؤسسات المالية العالمية و المساعدات الإقتصادية و الضغوط السياسية التي ستعدل وفقا للأجندة الغربية في المنطقة، دون أن ننسى القواعد العسكرية الأمريكية التي ستظل في المنطقة، وهذا يعني أن الخيار العسكري سيبقى مطروحا إذا ماخرجت حكومات الثورة على حدود التوقعات الغربية. 

إن نجاح الغرب بزعامة أمريكا في هذا المخطط سيبقى نهضة العرب حلما تتوارثه الأجيال، وسنجد أنفسنا قد دخلنا في دوامة الهيمنة الغربية من جديد، لذلك يجب على العرب أن يضعوا مشروع النهضة على سلم أولويات و أهداف الثورة، لأن بالنهضة فقط ستتحقق الديمقراطية الحقيقة والحرية الحقيقية و الكرامة الحقيقية.

أما الشطر الثاني للإستراتيجية الأمريكية لإحياء هيمنتها على العالم فتتمثل في تحويل أولوية إستراتيجيتها العسكرية إلى شرق آسيا و المحيط الهادي، و قد صرح القادة الأمريكيون أنفسهم أن هذا التغيير الإستراتيجي يهدف إلى كبح النهوض الصيني، و إستعادة المكانة الأمريكية في شرق آسيا و المحيط الهادي. وحينما صرحت هيلاري كلنتون أن بلادها قد إنشغلت في مقاومة الإرهاب و غفلت عن النمو الصيني الذي أصبح يهدد الزعامة الأمريكية، هي في الحقيقة لاتتحدث عن الغفلة بأتم معنى الكلمة، لأن أمريكا لم تترك الصين و شأنها أثناء الإنشغال بالعالم العربي، بل ظلت دائما و لاسيما في السنوات الأخيرة، تحارب الصين تجاريا، وتمارس عليها الضغط من خلال سيطرتها على الموسسات المالية الدولية، و تعارض أن تحصل الصين على حصتها في النفوذ و القرار داخل المؤسسات الدولية بمايعكس حجم الإقتصاد الصيني و وزنه داخل الإقتصاد العالمي. لذا عندما قال الأمريكيون أنهم قد غفلوا عن الصين خلال العقود الاخيرة، هم يقصدون تأخرهم في تحويل الإستراتيجية العسكرية نحو الصين، خاصة و أن الولايات المتحدة قد إكتسبت خبرة كبيرة في الشرق الأوسط في كيفية الوقيعة بين الدول و إثارة مشاكلها الداخلية لإرباكها، و إجهاض كل مخطط للنمو و التطور خارج إطار الرضاء الأمريكي. لذلك تعود أمريكا اليوم إلى شرق آسيا واضعة في ذهنها كل هذه الإعتبارات، و عازمة أن تطبقها على الصين. مستفيدة من علاقات التحالف التاريخية التي تربطها بعدد من الدول المجاورة للصين، و علاقاتها الوطيدة مع أطراف بؤر التوتر في الصين. و العمل على إرباك أمن و إستقرار علاقات الصين بجيرانها، و استقرار الصين الداخلي، اللذين يمثلان عاملين رئيسيين في إضطراد النمو الإقتصادي والإجتماعي للصين. 

تشترك حكومات ما بعد الثورات العربية و الصين في وجهة نظر تتعلق بكيفية التعامل مع الولايات المتحدة، وهو المنطق البراغماتي في التعامل مع الإستراتيجية الأمريكية الجديدة، حيث يجمع الطرفان على إقامة علاقات مع الولايات المتحدة قوامها المصالح، و ترى حكومات مابعد الثورة أنها بصفتها حكومات منتخبة، تستمد شرعيتها من الشعب سوف تكون الولايات المتحدة مجبرة على التعامل معها، في المقابل ستسعى هذه الحكومات لإبقاء الخلافات الإيديولوجية جانبا و تؤسس علاقات قائمة على المصالح فحسب مع الولايات المتحدة. الصين من جانبها ترى أن من أحد أهم أسباب عودة أمريكا إلى آسيا، هو الإزدهار الذي تشهده آسيا و أهمية الإقتصادات الآسيوية في إعادة الإنتعاش للولايات المتحدة. لذلك ترى الصين أن الفرص الإقتصادية التي يمكن أن توفرها للإقتصاد الأمريكي، و الإقتصادات الآسياوية، كفيلة بأن تعدل العلاقات الصينية الأمريكية على مبدأ المصالح المشتركة، و تضمن عدم إنحياز الدول الآسيوية للجانب الأمريكي. هذه المعادلة رغم وجاهتها إلا أنها لايمكن أن تنطبق على علاقة تكون الولايات المتحدة طرفا فيها، لأن أمريكا كما وصفها فلاديمير بوتين مؤخرا "تريد أتباعا لا شركاء"، و لوكان الإمريكيون يقبلون بالمنطق البراغماتي، و بعلاقات الشراكة القائمة على المصلحة المشتركة لما وجدنا القواعد العسكرية الأمريكية تنتشر في140 دولة(من جملة 193)، و لا ما وجدناها تمسك بزمام جميع المؤسسات الدولية، ولما وجدنا شركاتها العملاقة تتحكم في أنفاس الإقتصاد العالمي، و تنهب ثروات العالم الثالث. وهذا كفيل بأن يبرهن على أن الإستراتيجية العالمية للولايات المتحدة لم تبنى يوما على مبدأ الشراكة و إنما إنبنت على جموح الرغبة في الهيمنة. أما العالم العربي و الصين فهما على حد السواء في حاجة إلى عالم متعدد الأقطاب، يفسح لهما المجال للنمو كقطبان مستقلان لا كتابعان، و يسهما في إرساء توازن يكون في صالح كافة البشرية. وأما عن كيفية تحقيق ذلك فيجدر بالعالم العربي والصين النظر بأكثر عمق لعلاقاتهم الثنائية، والإنتباه أكثر إلى فرص و مجالات التكامل بينهما.

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار