11 صفر 1433

الصين من الداخل

بقلم: محمود ريا


بينما تقلع الطائرة عن مدرجها، تبدأ الصور بالتداعي إلى الذهن.
كل ما قرأته عن الصين يرتسم أمامك: التاريخ الموغل في القدم، الحاضر المذهل في تطوراته، والمستقبل الذي ينظر إليه الكثيرون بأمل، والبعض بخوف وحذر.
الصين، ها هي أخيراً "على بعد حجر". 
سبع ساعات بالطائرة تضعك على أرضها، وتمنحك "شهادة" بأنك رأيت، وليس من رأى كمن سمع، ولا حتى كمن قرأ وتابع واهتم وحلل ونظّر وكتب على مدى سنين.
الصين، تكاد تفتح ذراعيها لاستقبالك، بكل خباياها، بكل حكاياها، بكل ما حفظته للبشرية من حضارة، وأطلقته من أنوار، وقدّمته من اختراعات واكتشافات على مدى الأزمان.
هذه هي الصين، تناديك، كما تنادي ملايين البشر كل يوم، تستقبلهم ببسمة، بتهذيب شديد، بانتظام ملفت، وبأسرار يعصى على غير الغارق في هواها اكتشافها.
ها أنت تطير في السماء، وتحتك تمر حضارات و تواريخ، وسِيَر أبطال وحكّام، وتضحيات شعوب وأمم، وحّدها الزمن، ليخلق واحدة من أعظم الدول التي عرفها التاريخ.
سبع ساعات تمر، وأنت المتلهّف تظن أنك لن تصل أبداً، تتساءل: لماذا تسير الطائرة الهوينا، ولماذا كل ما ظننت أنك كدت أن تصل، تتوسع الفجوة التي تبعدك عن التعرف إلى الصين، الصين الحقيقية، لا تلك التي قرأت عنها في الكتب، ولا تلك التي شاهدتها في الصور، أو تلك التي يتحدث عنها الإعلام، والإعلام ـ في الحديث عن الصين ـ معظمه ظالم.
ضباب وطقس ماطر يستقبلك في بكين.. ليس هذا ما كنت تتمناه.
كان الأمل أن تصل إلى المدينة العامرة، إلى حاضنة التاريخ، إلى "عاصمة الشمال" و هي ضاحكة، فترى أسرارها "من فوق"، قبل ان تحط على ارضها، ولكن لا بأس، فأمامك "وقت طويل" لتستكشف المدينة التي لم تعد محرّمة على أهلها، ولا محرّمة على أحد.

إنه مطار بكين إذاً، ولا بد من بكين ولو طال السفر.













بكين، كما نكتبها نحن العرب، هي بيجينغ بكتابة أهل الصين (Beijing) ويلفظونها بيتينج، وتعني بلغتهم عاصمة الشمال.

تقع المدينة الكبرى على بعد مئة وستين كيلومتراً عن شاطئ المحيط الهادئ، على ارتفاع عن سطح البحر، لا يفصلها عن المحيط حاجز طبيعي، بينما تحيط بها الجبال من الجهات الثلاث الأخرى.

حاجز آخر يرتفع فوق الجبال، هو سور الصين العظيم (Cheng Chang)، وهو يحكي جزءاً هاماً من تاريخ المدينة، ومن تاريخ الصين.

في التاريخ، لا تملك بكين، كعاصمة للصين، سجلاً طويلاً جداً، فهي ـ وإن شهدت في عصور الصين الأولى مرحلة قصيرة كانت فيها عاصمة لقسم كبيرمن الصين ـ لم تصبح الحاضرة الأولى في هذه البلاد الشاسعة إلا قرابة العام 1000 بعد الميلاد عندما اختارتها إحدى الأُسر الحاكمة عاصمةً للامبراطورية الموحدة. ولكنها من ذلك الحين صارت المركز الذي اجتمعت حوله ملايين الليّات (اللي وحدة صينية تعادل نصف كيلومتر) المربعة، ومئات الملايين من البشر على مدى التاريخ.
وإذا كانت بكين ليست موغلة في التاريخ كعاصمة، فإنها كانت مدينة مهمة وبارزة على مدى الأيام، كما أنها حصلت على نصيبها من المجد والعز على مدى السنوات الألف (ويزيد) التي احتلت فيها مركز القلب في "الامبراطورية الوسطى".
وتلعب بكين دوراً محورياً في حياة جمهورية الصين الشعبية، فهي ليست مدينة التاريخ فقط، ولكنها حاضرة الحاضر، ويبدو أنها ستبقى عاصمة المستقبل إلى أمد بعيد.
ويمكن ملاحظة أهمية المدينة من خلال نبض الشارع الذي لا يهدأ ليلَ نهار، ففي المدينة ثلاثة عشر مليون نسمة، ما عدا من يخلونها خلال النهار من أجل تأمين احتياجاتهم أو قضاء حاجاتهم، ما يسلب من المدينة أي إشارة إلى أنها كانت تحوي في قلبها ما كن يُعرف بـ "المدينة المحرّمة".
وفي الواقع فإن المدينة تشهد نهضة كبيرة على مختلف المستويات، فهي مدينة صناعية، ومدينة خدمات، فضلاً عن كونها القلب الذي يضخ دماء السياسة إلى مختلف المقاطعات الصينية، والعقل الذي تصدر عنه القرارات الكبرى التي تصنع مستقبل البلاد.
وهي كانت كذلك دائماً، فبالرغم من التغيير الكبير الذي شهدته البلاد بعد الانتقال من الحكم الإمبراطوري إلى الحكم الجمهوري ـ بشقّيه الليبرالي والشعبي ـ فإن آلية تحكّم العاصمة بالأطراف لم تتغيّر كثيراً، وإن كانت التطورات الكبرى التي شهدها العالم قد فرضت نفسها على طريقة التصرف التي أصبحت أكثر نعومة، وسمحت بنوع من المشاركة في اتخاذ القرارات.

ويكفي التجوّل في الجادات الكبرى لمدينة بكين كي يتضح للزائر ماذا يعني أن تكون مدينة ما عاصمة لدولة كبرى، إذ تطالعك المباني العالية واحدة تلو أخرى، وكل مبنى يعرّف عن نفسه من خلال الكلمات المكتوبة عليه، وبمساعدة من مرافقك الصيني الذي يتكلّم العربية بطلاقة تتعرّف إلى وزارة الخارجية ووزارة الدفاع ووزارة الاتصالات، وغيرها من الوزارات، إضافة إلى المصرف المركزي ذي المبنى المميز.
ولا ينسى مرافقك أن ينبّهك إلى ساحة تيان أن مين، فهنا رُسم تاريخ الصين الحديث، وهنا تقام العروض العسكرية الكبرى بمناسبة الثورة الصينية الكبرى، وهنا.. تاريخ يريد الغرب أن يبقيه ندبةً لا تندمل في التاريخ الصيني، حيث تجعل "الميديا الغربية" من أحداث تيان أن مين عام 1989 "دليلاً" على قسوة السلطة الصينية في التعامل مع شعبها، حيث تم التعامل بحزم مع اضطرابات أرادت استلهام "الثورات" التي شهدها الاتحاد لسوفياتي ودول أوروبا الشرقية من أجل إسقاط الحكم الشيوعي في الصين.
وبالعودة إلى التاريخ ففي بكين من الآثار ما يكفي لجعلها قبلة للمهتمين بالعصور الماضية، ومن السواح من داخل الصين ومن خارجها، ولعل رقم العشرة ملايين سائح الذين زاروا الصين خلال 2010 له ما يبرّره في ظل وجود هذا الكمّ ـ وهذا النوع ايضاً ـ من الآثارالمنتشرة في بكين وفي غيرها من المدن على امتداد البلاد.
ولا يمكن الحديث عن الآثار في الصين دون أن تكون "المدينة المحرمة" هي المبتدأ، ففيها استغرقت عصور من الأحداث، وعظماء من الرجال، ومصير العشرات من الأجيال.





لا يمكن الحديث عن الآثار في الصين من دون أن تكون "المدينة المحرمة " هي المبتدأ، ففيها استغرقت عصور من الأحداث، وعظماء من الرجال، ومصير العشرات من الأجيال.

في المدينة المحرمة تتحقق تلك المقولة التى يطلقها كل صيني بفخر، حتى ولو كان من الذين لا يعترفون بدين، أو يؤمنون بعقيدة غيبية.
إنها مجموعة من القصور التي تضم تسعمئة وتسعاً وتسعين غرفة ونصف الغرفة.

أما لماذا ليست ألف غرفة بالتمام والكمال، فهنا تمكن المقولة:


يقول التراث الصيني إن "امبراطور السماء" لديه ألف غرفة، بينما لا يمكن لامبراطور الأرض أن يكون مساوياً له، لذلك هو يكتفي بالعدد المذكور، أي ألف غرفة ناقصة نصف غرفة، كي لا يتحدى امبراطور الأرض... امبراطور السماء.
أما غير ذلك، فليس هناك ما ينتقص من عظمة وجلال هذه القصور المهيبة التي تتجمع كلها في مساحة واسعة من أرض بكين، وفي قلبها بالضبط.
هذه العظمة يتحدث عنها "الصيني الحديث" بفخر... وبحذر في الوقت نفسه.
هو لا يملّ من ترديد الكلمات عن مظاهر الفخامة والنبل، وعن الإرث الكبير الذي تركه الأجداد لأبناء الشعب الصيني كي يتمتعوا به ـ وللعالم كله أيضاً ـ ولكنه لا يسمّي هذه المدينة باسمها، وإنما يصرّ على تكرار القول إن هذا المكان يسمّى "قصر الامبراطور" ولا يتردد في التعبير عن انتقاده لاستخدام "الامبراطور" آلاف العمّال على مدى عشرات السنوات لبناء هذا المكان المخصّص لرفاهيته هو و"عائلته" على حساب حياة الناس البسطاء الذين قضوا من أجل تحقيق هذه الغاية.
إنها نزعة تنطلق من النَّفَس الاشتراكي الذي يبقى له تأثيره في كل زاوية من زوايا الصين، أو لنقل إنه الحزب الشيوعي الصيني الحاضر دائماً في خلفية الأحداث، يوجّه الأفكار باتجاه الافتخار بالجماد، ورفض مَن بَنَوه.
وفي المدينة المحرّمة ما يستحق أن يُفتخر به فعلاً.
جمال يفوق الوصف، هندسة وتصاميم تقارب الخيال، قصر وراء قصر وراء قصر.
هنا كان الامبراطور يستقبل الرعية والضيوف، وهناك كان يرتدي الملابس الامبراطورية للاستقبالات، وهناك قصر الامبراطورة وفيه من التحف والأواني والأدوات ما يسلب اللبّ، وعلى اليمين واليسار المباني المخصصة للإدارات الحكومية، ففي الصين كان هناك حكومة مركزية قادرة على إبقاء الخيوط الرابطة لعشرات الأقاليم في يد واحدة، هي يد الإمبراطور.


ولا يخلو المكان من الساحات الواسعة، وفيها كان يجتمع الجند قبل الانطلاق الى مهماتهم في إخضاع عاصٍ أو السيطرة على إقليم متمرد، ولكن لم يسجّل التاريخ أنّ جيشاً انطلق من هذا المكان لغزو دولة أخرى مجاورة، هذا إذا اعتبرنا ـ كما يعتبر صينيو اليوم ـ أن كل ما في الصين الآن من أقاليم هو ملك للصين.

الصور التي تراها في المدينة المحرمة تحرّض لديك الخيال كي تستعيد اللحظات التاريخية الكبرى التي ولدت هنا، كما تعيدك إلى تلك التفاصيل البسيطة والجميلة، حول الحياة اليومية للامبراطور والامبراطورة والأمراء والوزراء والحاشية والدولة، أي الحياة اليومية لآلاف البشر الذين استوطنوا هذا المكان في وقت واحد، على مدى قرون.

ولكن، في المدينة المحرّمة هناك محرّمات:
أبواب وراء أبواب، وأسوار داخل أسوار، وأذونات وبطاقات دخول، فهذه المدينة محرّمة على من هم في الخارج، وهي محرّمة كذلك ـ في بعض أقسامها ـ على من هم في الداخل أيضاً.
ولمن لا يصدّق ذلك عليه أن يرى "الحدود" التي تفصل "أحياء" المدينة عن بعضها البعض، وأن يرى أيضاً الأسوار العالية التي تحيط بالمدينة المحرمة من الخارج، ومن بعدها الخندق الذي يزنّر المدينة من جوانبها الأربع، وهو ممتلئ بالماء، وعرضه ستون متراً بالتمام والكمال، ما يجعل إمكانية الاقتراب من المدينة المحرّمة في مصاف الخيال.
إنها المدينة ذات الأسوار التي بناها عشرات الامبراطورات على مدى القرون، تماماً كتلك الأسوار الشاهقة التي بُنيت أيضاً على مدى القرون هناك، فوق، على قمم الجبال المحيطة ببكين، والتي تمتد على آلاف الكيلومترات بعد ذلك، لتجتمع في ما يسمى الآن بسور الصين العظيم".






في كل مكان تجد آثار ماوتسي تونغ في الصين، ولا يمكن أن تفقد لمساته كيفما اتجهت: تمثال هنا، ومتحف هناك، وصور منتشرة بين هذه المنطقة وتلك.
قمصان ماوتسي تونغ تنتشر بكثرة في سفوح الجبال المحيطة بالعاصمة الصينية بكين، ولا سيما في تلك المحطة التي تنطلق منها أفواج السّياح إلى الأعلى، إلى سور الصين العظيم، مستخدمين المصعد الكهربائي الذي تستغرق الرحلة فيه أكثر من سبع دقائق أو مشياً على الأقدام، لمن يمتلك القدرة على المشي، ولا يمتلك الجرأة على استخدام المصعد الكهربائي، نظراً للرهبة التي تسكن الصاعد فيه.
في الأعلى، بعد الوصول إلى الأدراج التي تقودك إلى السور مباشرة، تستشعر هيبة المكان، فهذه المنطقة التي تقف عليها هي جزء من بناء يمتد على طول آلاف الكيلومترات، ويقال إنه المعلم الوحيد الذي بُني بيد الإنسان ويمكن رؤيته من الفضاء.
"فوق"، تلتقي بماوتسي تونغ مرة أخرى، حين يقول لك مرافقك الصيني بكل فخر إن الرفيق ماو يقول: "مَن لم يصعد إلى سور الصين العظيم ليس بطلاً".
بالرغم من الطقس البارد على ارتفاع أكثر من ألفي متر، كان لا بد من جولة بين صفّي الحجارة اللذين يشكلان حدود السور بالعرض، واللذين يبعدان أحدهما عن الآخر نحو أربعة امتار، فتنظر ذات اليمين وذات الشمال، محتاراً إلى أي منظر طبيعي تركن، هل إلى القرى المتناثرة تحتك في الإتجاه الذي جئت منه، والتي تشكل عقداً من المنازل المتراصّة بجانب بعضها بعضاً، والتي تضم في جنباتها مئات الآلاف من الصينيين القابعين "في حماية" هذا البناء العظيم، أم إلى الجانب الآخر، حيث تنحدر التلال بدورها، مغطاة بغابات بكر، لم تمسّها بعد يد البشر، لتشكل منظراً رائعاً يحمل كل تفاصيل الطبيعة الخلابة التي يحلم الإنسان بالعيش في أكنافها؟
أما على السور نفسه، فالمنظر لا يمكن أن تنزاح عنه العين.
الشغل المتقن، والأحجار المصفوفة، والفتحات المتناسقة، كلها مناظر تدعوك إلى التدقيق فيها، وإلى إكبار أولئك العمّال المهرة، وقبلهم المهندسين الأكفاء، الذين صمموا و بنوا هذا العمل الجبّار.
هذا إذا كنت تمشي على السور، وتمتّع نفسك بالصعود والهبوط مع التواءاته التي تحاكي انسياب قمم الجبال، حيث يمتد بلا نهاية.
أما عندما تصل إلى الأبراج المقامة كمحطات على طول السور، فإن الصورة تختلف، تصبح أكثر تعبيراً، وأكثر عظمةً.
البرج مربّع، يتربّع بين مسافة وأخرى من طول السور، فيه كان يقيم الجنود الذين يحرسون حدود الإمبراطورية، وفيه كانوا يشعلون النيران عند اقتراب أي خطر، فينتقل الخبر من برج إلى آخر، إلى محطات الإنذار على طريق بكين، إلى قصر الامبراطور، الذي يعلم بما يحصل خلال وقت قصير جداً.
ولكل خبر نار، إنها لغة الإشارة، التي استخدمها العالم فيما بعد عن الصينيين، تماماً كما استنسخ الكثير من الإختراعات كالورق والبارود والخزف وغير ذلك من البدائع التي غيّرت وجه البشرية.
وفي البرج غرف، وأمكنة لإطلاق السهام، وتحته مخازن للطعام وللسلاح، إنه مكان إقامة دائم، لمن كتب لهم – أو عليهم – أن يقضوا عمرهم في حماية الامبراطورية، وفي خدمته .
إنه سور الصين العظيم، الحائط الكبير (great Wall) ، السور الكبير (chang cheng) ، ولكنه ليس كل التاريخ في الصين.





للتاريخ محطات كثيرة في الصين، لعل واحدا من الأبرز فيها هو محطة دخول الإسلام إلى الصين.
القصة طويلة، ولها مؤرخوها، وفيها الكثير من الآراء، وبعضهم يردّها إلى زمن رسول الله (ص)، إلا أن الأكثر اعتماداً، وأقربها من الواقع تلك التي تقول إن الخليفة الثالث عثمان بن عفان أرسل صحابيين إلى الصين، حيث التقيا الإمبراطور، وأقاما هناك، وأخذا ينشران الدين الحنيف، ويعرّفان الصين بالإسلام العظيم.
وفي عصر الفتوحات كانت القصة المشهورة، عندما أصرّ القائد العربي على ان تطأ قدماه تراب الصين، فأرسل له الإمبراطور الصيني بعضاً من التراب الصيني، ومعه وافر الهدايا، فارتد القائد المسلم بجيشه عن أراضي الصين، ولم يحصل من يومها أي احتكاك عسكري بين المسلمين والصينيين.
منذ ذلك الحين، انتشر الإسلام في الصين بشكل هادئ، وتركّز انتشاره عند بعض القوميات، ولا سيما تلك التي لها امتدادها خارج الصين، كقوميات القازاك والطاجيك والتركمان والأوزبيك، من دون أن يعني ذلك عدم وجود عدد كبير من المسلمين الذين ينتمون إلى قوميات الصين الأصلية، لا بل إن الإحصاءات الرسمية تقول إن عدد هؤلاء هو الأكبر بين المسلمين في الصين، وهم ينتمون إلى قومية الـ "خوي"، وهي مجموعة تنتمي إلى العرق نفسه الذي ينتمي إليه الصينيون "الهان"، أي المجموعة الأكبر من أهل الصين.
بعض هذه المعلومات يذكرها الشيخ "تشن قوانغ يوان" رئيس الجمعية الإسلامية في الصين، فيما هو يعبّر عن ارتياحه للأوضاع التي يعيشها المسلمون في الصين الآن، معبّراً عن رضاه عن الحرية الكبيرة التي يتمتعون بها في أداء مناسكهم الدينية دون اعتراض من أحد.
ويعطي الشيخ "تشن قوانغ يوان" مثالاً على ارتفاع منسوب الحرية الذي يتمتع به المسلمون الصينيون بالقول إنه كان أول من حجّ من المسلمين الصينيين عام ثلاثة وستين بعد انقطاع طويل عن الحجّ بسبب القيود التي كانت موضوعة من قبل الحكومة الصينيّة في السابق، وكان معه في رحلة الحج تلك ثلاثة عشر رجلاً.
أما في عام 2011 فإن عدد الحجاج الصينيين بلغ ثلاثة عشر ألف حاج، وهو رقم يتناسب مع العدد الرسمي للمسلمين الصينيين الذي تقدّمه الحكومة، وهو ثلاثة عشر مليون مسلم، باعتبار أن السلطات المولجة بتنظيم شؤون الحج في السّعوديّة تسمح لكل ألف مسلم بحاج واحد في العام.
إلا أن هذه الصّورة الزاهية لأوضاع المسلمين الصينيين لها ما يعكّرها بالطبع، وجزء من هذه المعكّرات يطرحه الشيخ في حديثه عن البعض الذي يسعى إلى فصل المسلمين عن واقعهم وعن مجتمعهم الذي اندمجوا فيه من خلال دعوات انفصاليّة مموّلة من الخارج، معتبرا أن هذه الدّعوات لا تلقى آذاناً صاغية من معظم المسلمين الصّينيين، وإنما تبقى منحصرة في بعض الأشخاص الذين يتلقون أوامرهم من جهات أجنبية.
والجزء الآخر من هذه المعكّرات يتناوله رئيس جمعية المسلمين الخوي الذي يقول، في لقاء معه في مدينة سي آن، إن المسلمين يعانون من اغتراب عن معاني دينهم الحقيقية، فهم يؤدون العبادات، بأغلبهم كما يجب، ولكن فهمهم لهذه العبادات ليس مكتملاً، بسبب اغترابهم اللغوي من جهة، وبسبب اغترابهم المكاني من جهة أخرى.
وما لا يذكره الشيخ الجليل يمكن استشرافه من الحديث مع عدد من المسلمين الصينيين الذين يقولون إن القيود التي فرضت على هؤلاء المسلمين ـ في سياق القيود التي فرضت على كل أصحاب الديانات الأخرى ـ في السنوات السابقة، أدّت إلى تعميق هذا الاغتراب لدى المسلمين الصينيين.
الخلاصة التي يمكن فهمها من حديث رئيس جمعية المسلمين الخوي في مدينة "سي آن" أن المسلمين الصينيين يعرفون من الإسلام العبادات الشكلية، فيما هم بحاجة إلى تعميق آثار هذه العبادات في حياتهم اليومية، وهذا ما يفتقدون إليه اليوم.
هذا الواقع الذي يشكو منه شيخ "سي آن" لا ينفي وجود الكثير من العادات والتقاليد التي تقترب من عادات وتقاليد المسلمين في مناطق العالم الأخرى، وهذا ما يمكن لمسه من خلال التجوّل في شارع المسلمين وفي سوقهم في مدينة "سي آن"، ومن خلال استعراض الصور التي نراها في مركز الجمعية الإسلامية الصينية في بكين.
الزخرفة الاسلامية
مصاحف






الجولة التى يأخذك فيها الشيخ "تشن قوانغ يوان" رئيس الجمعية الإسلامية في الصين ممتعة.
هي لا تتعدى السير داخل شقتين متلاصقين في مبنى الجمعية الإسلامية، ولكنها تفتح أمامك كتاب تاريخ المسلمين في الصين على مدى قرون.
القرآن المخطوط منذ مئات السنين، الكتب الدينية القديمة، النقود التي تحمل كتابات إسلامية، الأسلحة ـ من سيوف ودروع وخناجر ـ التي تحمل الطابع الإسلامي، المجلات التي يصدرها المسلمون في انحاء الصين، كلها "كنوز" تجدها في هذا المعرض، والأبرز هو الصور التي تزيّن الجدران، وأغلبها صور تاريخية: نشاطات المسلمين من احتفالات ونشاطات واجتماعات، وزيارات الوفود الرسمية والشعبية من الدول الإسلامية والعربية إلى الصين، وإلى الجمعية تحديداً، ولا سيما الرؤساء والملوك والزعماء من مختلف الدول.
وفي المعرض أيضاً خارطة ضخمة تُظهر طرق دخول الإسلام إلى الصين وانتشاره فيها. وهناك خارطة أخرى تظهر المقاطعات الصينية ونسبة وجود المسلمين فيها. ويبدو من هذه الخريطة وجود المسلمين في معظم المقاطعات الصينية وإن كانوا يتركزون بشكل أساس في مناطق محددة في الغرب ولا سيما في "سينكيانغ" و"تشينغهاي" وهما مقاطعتان تتمتعان بالحكم الذاتي للمسلمين.
متحف آخر يعرض هذه الأشياء وأكثر منها، هو ذلك المتحف الملحق بمسجد "نيوجيه" الشهير في العاصمة بكين.
في هذا المتحف تجد الكثير الكثير من الصور التي تحكي تاريخ المسلمين في الصين، كتبهم، احتفالاتهم، والزيارات التي قامت بها وفود إليهم، فهذا ملك المغرب (الراحل) الحسن الثاني يزور المسجد، وهذه زيارة أخرى للرئيس الإيراني السابق (القائد الحالي) الإمام السيد علي الخامنئي، وهنا كلمة مكتوبة على سجل الزوار من وفد سوداني، وأخرى من رئيس جمهورية جزر القمر.
يعرض المتحف هذه الصور والكلمات في إيحاء إلى عمق العلاقة التي تربط المسلمين الصينيين بأخوانهم المسلمين في أنحاء العالم، وفي تأكيد على أنّ صينيّتهم لا تنفي إسلاميتهم، كما أن إسلاميتهم لا تجرح عمق انتمائهم إلى الأمة الصينية.
ومن المسائل الجميلة اللافتة في المتحف نموذج عن شهادة الميلاد التي تعطى للمولود المسلم الجديد وفيها من المعاني ما يؤكد على عمق ارتباط المسلمين الصينيين بدينهم وبعاداتهم الإسلامية.
وتقول هذه الوثيقة:
" بسم الله الرحمن الرحيم
اسم المولود المبارك: عبد الله
اللهم طوّل عمره وصحّح بدنه ووسّع رزقه وحسّن خلقه ورفّع درجته واتقن إيمانه.. أنبته الله نباتاً حسناَ".

وفي المتحف أيضاً "عدّة الحاج الصيني" وهي تتضمن بعض الأواني والملابس التي كان الحجّاج الصينيون في الماضي يستعملونها خلال رحلتهم إلى الحج في مكّة المكرّمة. ويشي إبراز هذه الأواني والاحتفاظ بها بمدى الاهتمام الذي يعيره المسلمون الصينيون للحج ولشعائره الإسلامية.
وإلى جانب المتحف هناك الكثير من الآثار الأخرى، منها قبران لعالمين مسلمين، أحدهما من إيران والثاني من بلاد آسيا الوسطى، ووجودهما هناك يدل على قدم التواصل بين مسلمي غرب آسيا ووسطها مع مسلمي الصين، هذا القدم الذي يظهر من قدَم شاهدي القبرين ونوع الخطوط المستخدمة في الكتابة عليهما.
هذا المتحف ـ وما يحيط به ـ هو جزء من مجمّع مسجد "نيوجيه"، وهو المسجد الأكبر والأقدم بين ستين مسجداً في العاصمة بكين، ولهذا المسجد شأن كبير في بلاد الصين كلها.















مسجد نيوجيه: حي على الصلاة
الدخول إلى مسجد نيوجيه هو دخول إلى التاريخ، بكل ما للكلمة من معنى.

هناك المسجد القديم، وهناك القبّة التي تعلو نصب إهداء إمبراطور الصين المسجد لمسلمي بلاده، وهناك الأقسام الملحقة، من غرف دراسية، وغرف خدمات، وغرف أخرى متنوعة الاستخدام.

إلا أن السر يكمن أكثر ما يكمن في القسمين الأولين، وهما اللذان يواجهان الزائر بعد دخوله من البوابة الخارجية للمسجد، واختياره للرواق المؤدي إلى الباحة الداخلية.

القبة جميلة الصنع، صينية التصميم، رائعة الزركشة من الداخل والخارج، تعكس فخامة إمبراطورية وروعة فنية لا يمكن أن تخطئها العين المدققة، وتحتها يوجد أهم اعتراف صني بالإسلام، وأكبر دليل على تسامح الصينيين القدامى مع المسلمين، ألا وهو النصب الذي كتب عليه إهداء إمبراطور الصين للمسلمين مسجدهم هذا.

ومن النصب إلى الواجهة الرئيسية للمسجد، حيث يظهر الإبداع بأجلى صوره.
يقول المشرف على المسجد إن هذا البناء أسّس قبل ألف عام تقريباً، أي في فترة قريبة من فترة اعتماد بكين كعاصمة للصين، ما يُظهر أن الإسلام يضرب  جذوره عميقاً في التاريخ الصيني.

عند الدخول من البوابة الخشبية للمسجد تحس بهذا التاريخ متجسداً أمامك، من خلال الروحانية التي تغمرك وأنت تخطو كل خطوة، متقدماً إلى القسم الأقدم من المسجد، القسم الخشبي بالكامل، الذي يرجع تاريخه فعلاً إلى حوالي 1000 عام.
المنمنمات المشغولة على حيطان المسجد بأجزائه المتعددة تعكس التطور الذي مرّ فيه هذا البناء، والتوسعة التي شهدها على مدى الأجيال، وهذا يدل على التطور الإيجابي الذي شهده وضع المسلمين في الصين، والذي سمح لهم بتوسيع مكان العبادة هذا، بالرغم من اختلافه مع المعتقدات التي يعتقد بها الآخرون من أهل الصين، ولاسيما السلطات الحاكمة على مدى العصور.

المعلومات التاريخية تقول إن المسجد تعرّض أكثر من مرة للتخريب أو للحريق أو للتهديم بفعل الزلازل، وفي كل مرة كان المسلمون الصينيون ـ بمعاونة السلطات هناك ـ يعيدون بناءه مع الحفاظ ـ ما أمكن ـ على الخصائص التي كانت له في السابق. ولعلّ أقسى ما مرّ على المسجد في تاريخه هو مرحلة الثورة الثقافية في ستينيات القرن العشرين، حيث تعرّض المسجد، مع غيره من الرموز الدينية التابعة لمختلف المعتقدات في الصين للإهمال، لا بل للتخريب، قبل أن يعاد ترميمه في الفترة التي تلت ذلك، ليعود ببهائه وجماله إلى حالة أفضل مما كان عليه في السابق.

المسجد فارغ في غير وقت الصلاة، ولكن هذه لا يمنع وجود بعض الأشخاص الذين يمارسون نشاطات متنوّعة، كبعض النساء اللواتي يرتدين حجاباً بسيطاً ويجلسنَ في باحات المسجد، أو كأمرأتين كانتا تجلسان داخل المجلس بحجابهما المتواضع أمام شخص جليل وكبير في العمر ـ يبدو كأنه أحد المشايخ في المسجد ـ كان يتلو في مواجهتهما بعض الآيات القرآنية، في مشهد لا يمكن القول إلا انه "رقية شرعية"، ما يدلّ على تمسك المسلمين الصينيين ـ رجالاً ونساءً ـ بمفردات الدين الحنيف، وبتقاليده وممارساته التي يعرفها المسلمون الآخرون في كل أنحاء العالم.

إنه مسجد نيوجيه، أكبر وأقدم مسجد في العاصمة الصينية بكين، ولكنه ليس أقدم ولا أكبر مسجد في الصين، فهذا المسجد موجود في مدينة سي آن، عاصمة الصين القديمة. 













أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار