٢٦ سبتمبر ٢٠١٠

نجاح النظام الصيني وفشل النظام الأمريكي




النظام الصيني نظام أوتوقراطي ملوث بالفساد، وهو على نقيض من اقتصاد المعرفة، الذي يحتاج بدوره إلى الحريات المدنية. رغم هذا، هناك تناوب للسلطة في الصين عند القمة، ولها تاريخ من الحض على الفضيلة، لذا نجد المسؤول الصيني متوسط الرفعة في موقعه من السلطة يمتلك القدرة على المنافسة، لأنه يمتلك الكفاءة

أن تزور الصين اليوم كأمريكي معناه أن تُقارِن وأن تُقارَن. ومن الجلسة الافتتاحية للمنتدى الاقتصادي العالمي، الذي انعقد في تيانجين هذا العام، ومضيفونا الصينيون يقومون بلا تردد بتلك المقارنة. وبث تلفزيون الصين المركزي مسرحية هزلية أبطالها أربعة أطفال- أحدهم يرتدي العلم الصيني ويرتدي الثاني العلم الأمريكي والثالث يرتدي العلم الهندي والرابع يرتدي العلم البرازيلي- يستعدون لبدء سباق. وقبل أن ينطلقوا، يزعم الطفل الذي يرتدي العلم الأمريكي، وكان اسمه أنطوني، إنه سيفوز بالسباق لأنه كما جاء على لسانه في المسرحية، يفوز دوما، وقفز الطفل أنطوني قفزة كبيرة في البداية. لكن سريعا ما يسقط أنطوني بسبب تشنجات أصابته. ويصيح الطفل الذي يرتدي العلم الصيني: "هذه فرصتنا لنتغلب عليه للمرة الأولى".

ويسأل طفل آخر: "ما المشكلة مع أنطوني؟" ويجيبه طفل آخر: "إنه بدين جدا ومترهل". ويقول طفل آخر: "إنه يأكل الكثير جدا من الهامبورجر". هذه هي الطريقة التي ينظرون بها إلى الأمريكان.

وبالنسبة للزائر الأمريكي، تبدأ المقارنات من اللحظة التي يغادر فيها المرء المحطة الجنوبية في بكين، وهي بناء ضخم من عصر الفضاء، يخرج منها القطار الطلقة إلى تيانجين. ويستغرق الأمر 25 دقيقة ليقطع مسافة 75 ميلا إلى تيانجين. وهناك، يصل المرء إلى محطة قطار أخرى فاقت في تطورها الحداثة نفسها. ومن هناك يستقل الزائر الأمريكي السيارة إلى مركز ميجيانج للمؤتمرات، وهو مبنى ضخم جميل، لدرجة أنه لو كان في واشنطن لأصبح مزارا سياحيا. ويخبرنا مضيفونا الصينيون أنهم انتهوا من بناء هذا المبنى الضخم في تسعة أشهر!

ودراستي مقدرة الصين على الاستثمار في المستقبل لا تجعلني أشعر أن أمريكا تسير وفق النظام الخطأ. لكنها تجعلني أشعر أن أمريكا تنتهك النظام الصواب الذي قامت عليه. فما من مبرر على الإطلاق في أن ديمقراطية أمريكا لا ينبغي لها أن تولد ذلك النوع من التركيز والشرعية والوحدة والالتزام لفعل الأشياء الكبيرة -بشكل ديمقراطي- التي تفعلها الصين بشكل أوتوقراطي. فقد قامت أمريكا بهذه الأمور من قبل. لكنها لا تفعلها الآن لأن الكثيرين جدا في الطبقة السياسية، المدفوعة باستطلاعات الرأي، والمسممة بالحزبية، والمدمنة على الظهور على شاشات التلفاز، والفاسدة ماليا، أكثر اهتماما بما يبقيهم في السلطة من اهتمامهم بما يمكنه أن يجعل من أمريكا مرة أخرى دولة قوية، وهم أكثر اهتماما بأن يهزم كل منهم الآخر من أن يحاولوا إنقاذ أمريكا.

وسألني أحد المشاركين في المنتدى، وكان هندي الجنسية، كيف يمكن لأمريكا أن تنافس دولة تعمل كالشركات، ويقصد الصين. بعدها أجاب هو بنفسه على السؤال قائلا إنه لكي تكون الديمقراطية فاعلة وتتمكن من توصيل السياسات والبنية الأساسية التي يحتاجها المجتمع، هي بحاجة لأن يكون المركز السياسي فيها مُركزا وموحدا ومفعما بالطاقة. وهذا يعني انتخاب المرشحين الذين سيفعلون ما هو في صالح الدولة، وليس انتخاب المرشحين بسبب أيديولوجياتهم فقط، أو على أساس الأقدر منهم على جمع أكبر مبلغ من أموال التبرعات. ولكي تتعامل الديمقراطيات مع المشكلات الكبيرة -وكل المشكلات في أمريكا الآن كبيرة- فهي تحتاج إلى الكثير من الأشخاص الذين يسيرون في نفس الاتجاه، وهذا ما تفتقده أمريكا كثيرا. فالأمريكان من وجهة نظر الهندي غير مستعدين للعمل وفق ما وسعهم من قوة، لذا هم ينتظرون أن يخفق الصينيون وينهاروا.

فهل سيخفق الصينيون وينهاروا بالفعل؟ النظام الصيني نظام أوتوقراطي ملوث بالفساد، وهو على نقيض من اقتصاد المعرفة، الذي يحتاج بدوره إلى الحريات المدنية. رغم هذا، هناك تناوب للسلطة في الصين عند القمة، ولها تاريخ من الحض على الفضيلة، لذا نجد المسؤول الصيني متوسط الرفعة في موقعه من السلطة يمتلك القدرة على المنافسة، لأنه يمتلك الكفاءة. وعندما استمتع لرئيس وزراء الصين وين جياباو وهو يتحدث في المنتدى عن أرقام النمو الصيني الهائلة التي تحققت، شعرت أن الرجل يقرأ علينا تقرير الأرباح الذي حققته الشركة. ومع هذا، تحدث الرجل عن خطط تفصيلية للرفع من مستوى الشعب، من الجامعات إلى السكك الحديدية عالية السرعة، وهو بالفعل ماض في طريق تنفيذ هذه الخطط.

وقد أوجز أورفيل تشيل، من جمعية آسيا، وهي إحدى المؤسسات الأمريكية المعنية بالشؤون الصينية، بل أفضلها جميعا، وأوضح الأمر خير إيجاز وخير توضيح قائلا لي بينما كنا معا في المنتدى الإقتصادي العالمي في تيانجين: "لأن الأمريكان بدأوا مؤخرا يجدون أنفسهم غير قادرين على إنجاز وإتمام الأمور، فقد بدأوا ينظرون الى الصين نظرة مبالغة في المثالية، عندما يتعلق الأمر الذي عجزوا عن فعله بالصين. فالأمريكان ينظرون إلى ما فعله الصينيون ويتصورون فيه أمرا يفتقدونه في أنفسهم -وهو فقد مسبب للرعب الكبير- ألا وهو القدرة على فعل الشيء، والقدرة على إتمام فعل الشيء، وهو ذلك التوجه الذي أفضل ما يوجز، يوجز في عبارة "تكاتف الجميع مع الجميع - مهما استدعى الأمر وتكلف"، وهو التوجه الذي بنى الطرق السريعة في أمريكا وصعد بفضله الأمريكي إلى سطح القمر".

وأنا لا أصبغ نظام الحكم الصيني بصبغة المثالية. ولا أريد أن أعيش في نظام حكم شمولي. لكني أشعر أني منجذب لأن أنظر إلى الصين بطريقة موضوعية وأعترف بنجاح نظامها. لكن هذا ليس معناه المناداة بأن تصبح أمريكا مثل الصين. بل معناه أن تكون أمريكا قدر التحدي والتحديات التي تواجهها، وأن تجد طرقا لتتعاون مع الصين.
بقلم توماس فريدمان

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار