٢٩ مارس ٢٠١٠

إسرائيل تخترق الصين ثقافيا


قد يكون العنوان أعلاه مبالغاً فيه قليلاً ، مبنياً على نوع من النظر إلى الثقافة بعيون السياسة ، متحسباً من حركة السياسة الإسرائيلية التي يبدو أنها تعمل هذه الأيام على تقييم النتائج التي قد يفضي إليها الصراع غير المنظور بين القوة الصينية والغرب ، وعلى رأسه أمريكا ، في المستقبل غير البعيد.

لكن الثقافة لم تبتعد يوماً عن الخطوط الكبرى للسياسة ، وكثير من المشاريع الثقافية ، التي تهدف إلى إقامة علاقة وثيقة بين الكتابة والمعرفة والسلطة ، كانت تحمل في أجنداتها مشاريع سياسية. ولا أظن إسرائيل في حركتها الدائبة في اتجاه الصين منذ سقوط الاتحاد السوفياتي في بداية تسعينيات القرن الماضي ، كانت تخفي قلقها من المستقبل الذي قد يحمل معه انهياراً للقوة الأمريكية شبيهاً بما حصل للقوة الشيوعية الكبرى في العالم.

في تواز مع الحركة السياسية والعلاقات الاقتصادية المتنامية بين إسرائيل والصين ، هناك بعثات إسرائيلية إلى الصين لتعلم الصينية والتخصص في الدراسات الصينية ، وترجمة الأدب الصيني الحديث إلى العبرية. لكن اللافت هو الحركة الدائبة للكتاب الإسرائيليين نحو الصين ، والدعوات المتكررة التي يتلقاها أدباء إسرائيليون إلى الصين ليتحاوروا مع كتاب الصين وأدبائها ، وتترجم أعمالهم إلى اللغة الصينية. واللافت أكثر هو أن من يذهبون إلى الصين هم من الأدباء الإسرائيليين الذين يوصفون بأنهم يساريون أو أنهم من معسكر السلام ، وممن كانوا ينتمون إلى حركة السلام الآن في ما مضى.

آخر الكتاب الإسرائيليين الذين وصلوا للمشاركة في مهرجان الكتاب الصيني هذا الشهر كان الروائي والكاتب ديفيد غروسمان صاحب كتاب "الزمن الأصفر" الشهير الذي قرأ وقائع الانتفاضة الفلسطينية الأولى من وجهة نظر إسرائيلية متعاطفة ، والذي وقع مع كل من الأديبين الإسرائيليين: عاموس عوز ، وأبراهام يهوشع بياناً طالبوا فيه الحكومة الإسرائيلية بوقف الحرب على لبنان عام 2006 ، رغم أن غروسمان كان قد فقد ابنه البكر في تلك الحرب قبل أيام من توقيعه على البيان. غروسمان وجه مقبول عالمياً كأديب إسرائيلي من دعاة السلام ، وقد قال في حوار أجري معه مؤخراً إنه ، بعد زيارته الصينية ، معجب بالصين وإن ابنه وصديقته مقيمان في الصين منذ عام تقريباً لتعلم اللغة الصينية ، مضيفاً أن المجتمع الإسرائيلي معجب بالتجربة الصينية ، وأن هناك علاقات متنامية بين إسرائيل والصين. ولا ينسى غروسمان أن يقول: "الإسرائيليون يحفظون للصين الجميل لأنها استقبلت اليهود الهاربين من هولوكوست ألمانيا النازية ، ولم تطالبهم بتأشيرات دخول عندما أدار كل العالم ظهره لهم".

أتذكر حادثة غير بعيدة جرت معي قبل حوالي عامين ، عندما شاركت مع واحد من أهم روائيي الصين المعاصرين في حلسة نقاشية حول آداب المنفى. ففي نهاية عام 2007 ، وفي أثناء انعقاد مهرحان الآداب الآسيوية والإفريقية في كوريا الجنوبية ، انبرى مو يان ، وهو كاتب تباع رواياته بملايين النسخ وتتحول إلى أفلام ضخمة الإنتاج ، ليقول لي إن هناك كتاباً إسرائيليين يدعون إلى السلام ، وإنه التقي في ذلك الصيف عاموس عوز الذي تحدث عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وقال إن على الشعبين أن يجدا حلاً للمشكلة القائمة بينهما: فوضعهما يشبه وضع شاحنتين تتسابقان على المرور فوق جسر ضيق. وقد اضطررت أن أشرح له أمام جمهور ضخم من الكتاب والأدباء المشاركين ألفباء الصراع حول فلسطين ، وقلت له إن أدباء مثل عاموس عوز يبدون وجهاً سلامياً أمام العالم ، فيما هم في الحقيقة أبناء المؤسسة السياسية الإسرائيلية المعادية للفلسطينيين المنكرة لحقوقهم.

ما أريد ان أقوله هنا هو أن إسرائيل تهيئ التربة لإيجاد حلف مستقبلي قوي مع الصين ، لا عبر الاقتصاد والتكنولوجيا العسكرية فقط ، بل عبر الأدب والثقافة ، مقدمة من وجوه الأدب الإسرائيلي ما يبدو سلامياً راغباً في حل الصراع في المنطقة حتى يكون مقبولاً لدى الجمهور الصيني القارئ،.

فماذا فعلنا نحن العرب؟ وما هو دور المثقفين في توثيق عرى العلاقة مع الصين: تلك القوة الهائلة الناهضة ، والتي قد تصبح القوة الأولى في العالم في السنوات القليلة المقبلة؟.

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار