Martin Jacques-times
مؤلف كتاب عندما تحكم الصين العالم
When China Rules the World:
the Rise of the Middle Kingdom and the End of the Western World
تخيّلوا اليوم كيف سيكون الوضع لو أن الدولة الحضارة هي القوة المسيطرة في العالم بدلاً من الدولة الأمة، ستكون التداعيات عندئذ واسعة النطاق وأيضاً صعبة الإدراك نظراً لعدم شيوعها.
تغيّر وجه العالم لكن الغرب يستغرق وقتاً طويلاً في استيعاب هذا الواقع الجديد. تقدّر شركة «غولدمان ساكس» بأن الاقتصاد الصيني سيفوق الاقتصاد الأميركي حجماً بحلول عام 2027 وسيغدو أكبر بمرتين بحلول عام 2050.
لكننا لانزال نتأمّل في بروز الدول النامية والتراجع النسبي للدول المتطورة من ناحية اقتصادية بحتة، يُنظر إلى بروز الصين كحدث يحمل في طيّاته معاني اقتصادية مهمة من دون أن يكون له أثر على الصعيدين السياسي والثقافي. وهذا خطأ فادح.
في الماضي- وخير مثال على ذلك بريطانيا والولايات المتحدة- لطالما شكّل النهوض الاقتصادي لدولة ما تمهيداً لممارسة نفوذ أوسع في المجالين السياسي والثقافي. فلمَ يجب أن يكون مثال الصين مختلفاً؟
السبب المنطقي الوحيد الذي يخطر في بالي هو الاعتقاد المتبجح بأننا متفوقون في كيفية إنجازنا الأمور إلى حد أن البلدان الأخرى ستعتمد ترتيباتنا، وقيمنا ومعتقداتنا. يستند هذا الاعتقاد إلى الافتراض السخيف بأن الحداثة في الصين لن تتشكل بفعل تاريخها وثقافتها الطويلين والغنيين.
دعوني أقدم بضعة أمثلة توضح كيف ستظل الصين مختلفة جداً عن الغرب. أصبحت الدولة الأمة، التي هي نتاج الإرث الأوروبي، أول كيان محدد للأمم. المشكلة هي أن الصين ليست دولة أمة بمعنى الكلمة، لعلها اعتبرت نفسها كذلك على مدى العقد الماضي، لكن خلال الألفيتين السابقتين، كانت دولة حضارة. بالنسبة إلى الصين، الدولة الأمة هي التربة السطحية والدولة الحضارة التشكل الجيولوجي.
لا ينظر الصينيون إلى أنفسهم كأمة بل كحضارة، لأن هذه الأخيرة هي التي تمنحهم حس الانتماء.
على الرغم من أننا نميل الى التفكير في الصين ككيان متجانس إلى حد ما، فإنها كيان ضخم يحوي تنوّعاً كبيرة، وحكم مثل هذا الكيان يتطلّب تعددية في الأنظمة لن تسمح به الدولة الأمّة أبداً. «أمة واحدة، نظام واحد» هو شعار الدولة الأمة، في حين أن شعار الدولة الحضارة هو حتماً «بلد واحد، أنظمة متعددة».
ذلك يذكرنا بالصيغة الدستورية التي دعمت تسليم هونغ كونغ، وهي «بلد واحد، ونظامان». على الرغم من تشكيك الغرب بها، فإن الصينيين كانوا صادقين، كما هو واضح في هونغ كونغ اليوم.
تخيّلوا اليوم كيف سيكون الوضع لو أن الدولة الحضارة هي القوة المسيطرة في العالم بدلاً من الدولة الأمة، عندئذ ستكون التداعيات واسعة النطاق وأيضاً صعبة الإدراك نظراً لعدم شيوعها.
أو لنأخذ مثلاً نظام الدولة التابعة الذي نظم العلاقات بين الدول في شرق آسيا لآلاف السنين. كان نظاماً ليّناً ومرناً أنشئ بناءً على واقع هيمنة الصين على مجريات الأمور، وقبول التفوق الثقافي لهذه الأخيرة، وكدلالة رمزية لقاء الحصول على حماية الإمبراطور الصيني. دام ذلك النظام حتى عام 1900 تقريباً.
لم تختف المواقف المتجذرة التي قادت النظام التابع البتة، سواءً من جانب الصينيين أو غيرهم. فضلاً عن ذلك، فإن الظروف التي أبعدتها- تراجع الصين وقدوم الاستيطان الأوروبي (والنفوذ اللاحق للولايات المتحدة)- تبددت أو في حالة الولايات المتحدة، بصدد الاضمحلال.
نشهد اليوم إعادة تشكل سريعة للمنطقة حول دولة صينية منبعثة. من المنطقي أننا قد نشهد مجدداً عودة بعض عناصر نظام الدولة التابعة في سياق حديث، متحديةً بذلك السيطرة العالمية للابتكار الأوروبي ذلك للدول الأمم السيادية والمستقلة.
ثمّة أمثلة أخرى تشير إلى أن الصين ستظل مختلفة جداً عن المعايير الغربية التي نألفها. بخلاف أوروبا، لم تشهد هذه الدولة تقييداً في صلاحياتها من قبل المنافسين، الأمر الذي منحها مركزاً لا منافس له في صميم المجتمع الصيني؛ أو منافسةً على مركزها المتميز ذلك لأن 92 في المئة من السكان يعتقدون أنهم من عرق واحد، في ظل غياب مفهوم الاختلاف الذي ينبع من ذلك أو عدم احترامه.
إن سطوع نجم الصين سيغير وجه عالم يتماهى اليوم مع النموذج الغربي. لن يحدث ذلك سريعاً، لا سيما لأن الصينيين لا يملكون الوقت للتفكير في مثل هذه المسائل لأنهم منشغلون جداً في هذه الأيام بالنمو الاقتصادي والقضاء على الفقر. لكن ذلك سيتغير مع الوقت حين تغدو هذه البلاد أكثر ازدهاراً ويصبح بمقدور الناس تحديد أهداف أكبر ودعم طموحات أخرى. في القرن التاسع عشر، خلّفت أوروبا انطباعاً عميقاً وراسخاً في العالم، عبر تسجيلها ولادة العالم الذي صنعه الغرب. لكن تلك الحقبة بدأت بالتقهقر.
يشير نهوض الصين إلى البزوغ البطيء لحقبة مختلفة كلياً حيث سيتعاظم النفوذ الصيني.
عندئذ، سيحل الرينمينبي (اليوان) محل الدولار ليصبح العملة المسيطرة في العالم، وسيعاد تشكيل النظام المالي العالمي في مركز الصين المالي، شنغهاي. كذلك ستصبح لغة «المندرين»، التي يفوق عدد متحدثيها بمرتين عدد متحدثي اللغة الإنكليزية، لغة التواصل كما هي حال الإنكليزية اليوم.
فضلاً عن ذلك، ستصبح الأحداث العظيمة من التاريخ الصيني- رحلات زينغ هي، وتأسيس سلالة تشين، واختراعات سلالة سونغ، وثورة عام 1949- مألوفة عالمياً.
هذا وسيحتل كونفوشيوس مكانه كفيلسوف مهم عالمياً وليس في الصين فحسب، وسيزداد تأثير الأفلام الصينية، الرائجة مسبقاً في الغرب من خلال أفلام كـHero وCurse of the Golden Flower، على المخيّلة الشعبية. وستكون بكين، بدلاً من نيويورك، المدينة العالمية المرجعية. وسيتسع انتشار الطب التقليدي الصيني، المستند إلى مبادئ شديدة الاختلاف عن الغرب، عبر الكرة الأرضية.
إلى ذلك، سيترعرع أولادنا وأحفادنا في عالم يزداد غرابةً بالنسبة إلينا، حيث الأفكار الغربية القديمة لا تعود أمراً مسلّماً به. للمرة الأولى منذ أكثر من قرنين، سيضطر الغربيون إلى التكيف مع ثقافات أخرى والتعلم منها بطريقة جديدة كلياً. وسيكون ذلك مضللاً ومحبطاً.
تغيّر وجه العالم لكن الغرب يستغرق وقتاً طويلاً في استيعاب هذا الواقع الجديد. تقدّر شركة «غولدمان ساكس» بأن الاقتصاد الصيني سيفوق الاقتصاد الأميركي حجماً بحلول عام 2027 وسيغدو أكبر بمرتين بحلول عام 2050.
لكننا لانزال نتأمّل في بروز الدول النامية والتراجع النسبي للدول المتطورة من ناحية اقتصادية بحتة، يُنظر إلى بروز الصين كحدث يحمل في طيّاته معاني اقتصادية مهمة من دون أن يكون له أثر على الصعيدين السياسي والثقافي. وهذا خطأ فادح.
في الماضي- وخير مثال على ذلك بريطانيا والولايات المتحدة- لطالما شكّل النهوض الاقتصادي لدولة ما تمهيداً لممارسة نفوذ أوسع في المجالين السياسي والثقافي. فلمَ يجب أن يكون مثال الصين مختلفاً؟
السبب المنطقي الوحيد الذي يخطر في بالي هو الاعتقاد المتبجح بأننا متفوقون في كيفية إنجازنا الأمور إلى حد أن البلدان الأخرى ستعتمد ترتيباتنا، وقيمنا ومعتقداتنا. يستند هذا الاعتقاد إلى الافتراض السخيف بأن الحداثة في الصين لن تتشكل بفعل تاريخها وثقافتها الطويلين والغنيين.
دعوني أقدم بضعة أمثلة توضح كيف ستظل الصين مختلفة جداً عن الغرب. أصبحت الدولة الأمة، التي هي نتاج الإرث الأوروبي، أول كيان محدد للأمم. المشكلة هي أن الصين ليست دولة أمة بمعنى الكلمة، لعلها اعتبرت نفسها كذلك على مدى العقد الماضي، لكن خلال الألفيتين السابقتين، كانت دولة حضارة. بالنسبة إلى الصين، الدولة الأمة هي التربة السطحية والدولة الحضارة التشكل الجيولوجي.
لا ينظر الصينيون إلى أنفسهم كأمة بل كحضارة، لأن هذه الأخيرة هي التي تمنحهم حس الانتماء.
على الرغم من أننا نميل الى التفكير في الصين ككيان متجانس إلى حد ما، فإنها كيان ضخم يحوي تنوّعاً كبيرة، وحكم مثل هذا الكيان يتطلّب تعددية في الأنظمة لن تسمح به الدولة الأمّة أبداً. «أمة واحدة، نظام واحد» هو شعار الدولة الأمة، في حين أن شعار الدولة الحضارة هو حتماً «بلد واحد، أنظمة متعددة».
ذلك يذكرنا بالصيغة الدستورية التي دعمت تسليم هونغ كونغ، وهي «بلد واحد، ونظامان». على الرغم من تشكيك الغرب بها، فإن الصينيين كانوا صادقين، كما هو واضح في هونغ كونغ اليوم.
تخيّلوا اليوم كيف سيكون الوضع لو أن الدولة الحضارة هي القوة المسيطرة في العالم بدلاً من الدولة الأمة، عندئذ ستكون التداعيات واسعة النطاق وأيضاً صعبة الإدراك نظراً لعدم شيوعها.
أو لنأخذ مثلاً نظام الدولة التابعة الذي نظم العلاقات بين الدول في شرق آسيا لآلاف السنين. كان نظاماً ليّناً ومرناً أنشئ بناءً على واقع هيمنة الصين على مجريات الأمور، وقبول التفوق الثقافي لهذه الأخيرة، وكدلالة رمزية لقاء الحصول على حماية الإمبراطور الصيني. دام ذلك النظام حتى عام 1900 تقريباً.
لم تختف المواقف المتجذرة التي قادت النظام التابع البتة، سواءً من جانب الصينيين أو غيرهم. فضلاً عن ذلك، فإن الظروف التي أبعدتها- تراجع الصين وقدوم الاستيطان الأوروبي (والنفوذ اللاحق للولايات المتحدة)- تبددت أو في حالة الولايات المتحدة، بصدد الاضمحلال.
نشهد اليوم إعادة تشكل سريعة للمنطقة حول دولة صينية منبعثة. من المنطقي أننا قد نشهد مجدداً عودة بعض عناصر نظام الدولة التابعة في سياق حديث، متحديةً بذلك السيطرة العالمية للابتكار الأوروبي ذلك للدول الأمم السيادية والمستقلة.
ثمّة أمثلة أخرى تشير إلى أن الصين ستظل مختلفة جداً عن المعايير الغربية التي نألفها. بخلاف أوروبا، لم تشهد هذه الدولة تقييداً في صلاحياتها من قبل المنافسين، الأمر الذي منحها مركزاً لا منافس له في صميم المجتمع الصيني؛ أو منافسةً على مركزها المتميز ذلك لأن 92 في المئة من السكان يعتقدون أنهم من عرق واحد، في ظل غياب مفهوم الاختلاف الذي ينبع من ذلك أو عدم احترامه.
إن سطوع نجم الصين سيغير وجه عالم يتماهى اليوم مع النموذج الغربي. لن يحدث ذلك سريعاً، لا سيما لأن الصينيين لا يملكون الوقت للتفكير في مثل هذه المسائل لأنهم منشغلون جداً في هذه الأيام بالنمو الاقتصادي والقضاء على الفقر. لكن ذلك سيتغير مع الوقت حين تغدو هذه البلاد أكثر ازدهاراً ويصبح بمقدور الناس تحديد أهداف أكبر ودعم طموحات أخرى. في القرن التاسع عشر، خلّفت أوروبا انطباعاً عميقاً وراسخاً في العالم، عبر تسجيلها ولادة العالم الذي صنعه الغرب. لكن تلك الحقبة بدأت بالتقهقر.
يشير نهوض الصين إلى البزوغ البطيء لحقبة مختلفة كلياً حيث سيتعاظم النفوذ الصيني.
عندئذ، سيحل الرينمينبي (اليوان) محل الدولار ليصبح العملة المسيطرة في العالم، وسيعاد تشكيل النظام المالي العالمي في مركز الصين المالي، شنغهاي. كذلك ستصبح لغة «المندرين»، التي يفوق عدد متحدثيها بمرتين عدد متحدثي اللغة الإنكليزية، لغة التواصل كما هي حال الإنكليزية اليوم.
فضلاً عن ذلك، ستصبح الأحداث العظيمة من التاريخ الصيني- رحلات زينغ هي، وتأسيس سلالة تشين، واختراعات سلالة سونغ، وثورة عام 1949- مألوفة عالمياً.
هذا وسيحتل كونفوشيوس مكانه كفيلسوف مهم عالمياً وليس في الصين فحسب، وسيزداد تأثير الأفلام الصينية، الرائجة مسبقاً في الغرب من خلال أفلام كـHero وCurse of the Golden Flower، على المخيّلة الشعبية. وستكون بكين، بدلاً من نيويورك، المدينة العالمية المرجعية. وسيتسع انتشار الطب التقليدي الصيني، المستند إلى مبادئ شديدة الاختلاف عن الغرب، عبر الكرة الأرضية.
إلى ذلك، سيترعرع أولادنا وأحفادنا في عالم يزداد غرابةً بالنسبة إلينا، حيث الأفكار الغربية القديمة لا تعود أمراً مسلّماً به. للمرة الأولى منذ أكثر من قرنين، سيضطر الغربيون إلى التكيف مع ثقافات أخرى والتعلم منها بطريقة جديدة كلياً. وسيكون ذلك مضللاً ومحبطاً.