21 ربيع الأول 1434

مصر فى الوثائق و السجلات الصينية فى العصور الوسيطة

كانت مصر فى القرن الثالث عشر الميلادى مركز الدنيا وقبلة العالم، فقد كانت سوقاً ومدرسة وحصناً للعالم الإسلامى كله، وذاع صيتها فى الكون بأسره، بحيث إن رجلاً قابعاً فى أحد موانئ الصين لم يستطع أن يسكت عنها فى كتابه الذى جمعه من أفواه التجار وربابنة السفن.
و كان شوجو – كوا chau ju – kua يعمل مفتشا على السلع والبضائع التى جلبها التجار الأجانب على متن الأساطيل التجارية البحرية إلى ميناء كانتون canton بالصين فى القرن الثالث عشر الميلادى.
و نتيجة لوظيفته التى استلزمت احتكاكاً دائماً بالتجار والمسافرين الغرباء، وكذلك ربابنة وبحارة السفن المختلفة، أراد شوجو- كوا زيادة معارفه عن العالم، متخداً من ميناء كانتون كوة يطل منها على عوالم وأجناس وتواريخ أكثر اتساعاً ورحابة من بلده.
و لم يكتف شوجو- كوا بسماع تلك التواريخ والحكايات الحقيقية والأسطورية من ألسنة التجار والمسافرين والربابنة والبحارة، بل سعى إلى توثيق عمله فى كتاب يحكى ما سمعه عن تاريخ بلاد هؤلاء الغرباء، فضلاً عن أنواع السلع والبضائع، وغير ذلك من المعلومات التجارية المهمة التى تمنح القارئ متعة عقلية وهو يجول بين سفن وموانئ المحيط الهندى، فضلاً عن موانئ آسيا وشرق أفريقيا فى العصور الوسطى.
و على الرغم من أن بعض الحكايات الأسطورية التى شابت مجلده الكبير Chu-fan-ehi، فإن معظم ما ورد فيه عن مصر اعتمد على الحقائق التاريخية والجغرافية والأنثروبولوجية الصحيحة.
و لأننا نعلم تردد الكثير من التجار المصريين على ميناء كانتون الصينى فى القرن الثالث عشر الميلادى، فلا بد أن يكون شوجو – كوا استقى معلوماته عن مصر من حكاياتهم، فأشار إلى أن مصر wu-ssi-Li تخضع سياسياً للخلافة العباسية فى بغداد Pai-Ta، وأن سلطانها يتصف بالعدل فى حكمه.
و من الواضح أنه كان يشير إلى دولة سلاطين المماليك فى مصر حينما ذكر أنه حينما كان يخرج السلطان فى موكبه الرسمى، فإنه يرتدى العمامة والعباءة، وينتعل حذاء أسود اللون، بينما يمتطى صهوة جواده فى موكب ضخم. ويسير أمامه ثلاث مئة فارس على خيولهم المطهمة بالذهب والمجوهرات، علاوة على ألف فارس آخر من أجل حراسته، وثلاث مئة آخرين يحملون السيوف والتروس، إضافة إلى اثنين من خدمه يحملان سيف السلطان ودرعه.
كما لاحظ أن موكب سلطان مصر ضم عشرة من النمور فى سلاسلها الحديدية وحراسها، فضلاً عن ثلاثين رجلاً من حملة الصقور، ويتبع الجميع مئة من قارعى الطبول النحاسية على ظهور الجياد فى موكب تاريخى ضخم.
كذلك، تحدث شوجو – كوا عن سكان مصر فى معلومات هى خليط ما بين الحقيقة والخيال، فذكر أن السكان فى مصر يعيشون فى مساكن متجاورة، بحيث يعيش الأقارب جنباً إلى جنب، كما ذكر أن سكان مصر لا يأكلون الأرز، بينما يتغلب الطقس الجاف على مناخها، وأن المطر عندما يهطل بغزارة فيها فإنه يقوم بإغراق زراعتها وإتلافها.
و كان من الطبيعى أن يتطرق شوجو – كوا للحديث عن النيل فى مصر، الذى وصفه بأنه مجهول المنبع، وأشاد بمياهه العذبة والغزيرة التى يعتمد عليها سكان مصر فى شكل كامل فى الزراعة، وأشار إلى أنه إذا ما أصابها الجفاف ذات يوم، فإن أنهاراً أخرى تتدفق لتصب فى نهر النيل، كما ذكر أيضاً أن الروايات القديمة تذكر أن يوسف – عليه السلام – shi su المتحدّر من الجيل الثالث لإبراهيم عليه السلام p’u-Lo-hung كان وزيراً على مصر، وخشى أن يضرب الجفاف البلاد بسبب ندرة مياه الأمطار، فاختار مساحة كبرى من الأراضى بالقرب من النهر، وقام بإنشاء 360 قرية عليها، ثم أمر بتكليف سكانها زراعة القمح، وبعد عام واحد، جرى تزويد سكان مصر كافة الطعامَ بعد أن قامت كل قرية بتسليم القمح الذى قامت بزراعته يومياً، ومن الواضح أن شوجو – كوا قد استمد هذه المعلومة من تاجر أو بحار مصرى تميز بخلفيته الدينية الواضحة.
و المثير فى الأمر أن مؤرخنا الصينى لم يكتف بهذا الحديث عن نيل مصر، بل تطرق فى كتابه لإحدى الروايات الأسطورية والتى تذكر أنه كل عامين أو ثلاثة أعوام يخرج من مياه نهر النيل رجلا عجوزا بلحية بيضاء ليجلس على إحدى الصخور، ويتوجه إليه السكان، وهم جالسون على ركبهم ليسألوه هل ستكون السنة المقبلة سعيدة أم ذات فأل سيئ عليهم، وبينما لا يردّ العجوز، فإنه إذا ما ابتسم فإن العام المقبل سيكون سعيداً، ولن يحل الجفاف أو الوباء بالسكان، أما إذا عبس وجهه فإن ذلك معناه أن السكان سيعانون هذا العام أو العام التالى من المجاعة أو الوباء، ويحدث هذا قبل أن يعود الرجل العجوز مرة أخرى إلى جوف النهر.
و المثير فى الأمر أن هذه الرواية – مع شىء من التصرف – قد وردت لدى السيوطى فى كتابه «حسن المحاضرة»، إذ ذكر أن سمكة تعيش فى مياه النيل، تشبه إنساناً ذا لحية طويلة، أسماها السكان «شيخ البحر»، وهى سمكة ذات فأل سيئ إذا ما ظهرت فى أحد الأماكن أعقب ظهورها القحط والبلاء، كما ذكر أنها كانت تظهر غالباً فى فرع النيل الدمياطى.
و من الغريب أن شوجو- كوا لم يتطرق لمدينة القاهرة Kie-Ye سوى فى سطر واحد فقط من كتابه، بعدما ذكر أنها تقع على ضفة نهر النيل، غير أنه أفاض فى الحديث عن مدينة الإسكندرية O-Kon-to، وربما كان ذلك بوصفها الأقدم والأشهر نتيجة للبعد الحضارى اليونانى، فأشار إلى أن الروايات القديمة تذكر أن الإسكندر الأكبر المقدونى Tsu-Ko-Ni شيد على ساحل المدينة برجاً ضخماً (فنار الإسكندرية)، وأقام تحته – فى شكل سرى – غرفتين متصلتين ببعضهما بعضاً، فى إحدى هذه الغرف المقببة كان يتم تخبئة الغلال وتخزينها، وفى الأخرى جرى تخبئة السلاح. وكان البرج مرتفعاً لمسافة ألفى قدم، وبوسع أربعة جياد تسير جنباً إلى جنب أن تصعد إلى مسافة تبلغ ثلثى ارتفاعه، وفى وسط هذا البناء كانت توجد بئر عميقة تتصل بنهر كبير.
و من أجل حراسة الفنار، وجدت قوة مؤلفة من عشرين ألف جندى فى أعلى المكان وأسفله، على أهبة الاستعداد للقتال، وتوجد على قمة الفنار مرآة ضخمة وعجيبة، حتى إذا ما قامت السفن الحربية المعادية بمحاولة هجوم مفاجئ على الإسكندرية، تقوم هذه المرآة بكشفها من بعيد، فتستعد القوات للدفاع عن المدينة.
و يبدو أن شوجو- كوا اعتمد هنا فى حديثه عن المرآة العجيبة على روايات الربابنة والتجار المصريين المسلمين، إذ وردت هذه المعلومة فى بعض المصادر الجغرافية الإسلامية، كأعمال ياقوت الحموى، وأبو الفدا، والمسعودى، وليون الأفريقى، وإن ذكر الأخير أنها كانت أعلى عمود السوارى.
و فى استمرارية لأسطورة مرآة الميناء، ذكر مؤرخنا الصينى وصول أحد الأجانب إلى الإسكندرية، وطلبه العمل فى خدمة الفنار. وعمل فى رش المياه، وتنظيف المكان وكنسه أعواماً عدة من دون أن يتطرق إليه الشك، حدث هذا قبل أن يقوم فى أحد الأيام بإلقاء هذه المرآة العجيبة فى البحر ويفرّ هارباً.
و تتشابه هذه الرواية فى شكل أو فى آخر بما ورد لدى المؤرخ المسعودى من أن الإمبراطور البيزنطى أرسل أحد أهم خصيانه إلى الخليفة الأموى الوليد بن عبدالملك 705- 715هـ فى مهمة سرية، فادعى رغبته فى التحول إلى الإسلام، وأخبره بأماكن ثروات المسيحيين المخبأة فى دمشق وأماكن أخرى بالشام.
و بعد أن حاز على ثقة الخليفة، أخبره أن الإسكندر الأكبر قام ببناء غرف سرية تحت الأرض بمدينة الإسكندرية وضع داخلها ثرواته كافة، إضافة إلى سبائك الذهب والأحجار الكريمة، ثم بنى فناراً فوق هذه الغرف توجد بأعلاه مرآة ضخمة لمراقبة سفن الأعداء، حيث يبدأ الحراس فى الصياح لتحذير القوات المدافعة عن المدينة.
و تستمر الرواية لتذكر أن حيلة وجود ثروات الإسكندر تحت فنار الإسكندرية قد انطلت على الخليفة المسلم، فأرسل هذا الخصى مع بعض القوات حيث قام بهدم نصف الفنار وتحطيم المرآة، وعندما أدرك أهل الإسكندرية هذه الخدعة، لأن ذلك معناه أن مدينتهم ستسقط فى أيدى أعدائهم بسهولة خشى هذا الخصى من سكانها فغضب الخليفة بسبب خيانته، فتسلل تحت جنح الظلام إلى سفينة كانت بانتظاره، متخذاً طريقه إلى القسطنطينية بعد تنفيذ مهمته.
و فى النهاية يمكن من خلال ما سبق استنتاج مدى ما يمكن تسميته «المعرفة بالآخر» نتيجة انتقال الأفكار والرؤى الموجودة بالمصادر الجغرافية والتاريخية الإسلامية عبر طرق التجارة البحرية ليتردد صداها فى بعض المصادر الصينية فى العصور الوسطى .

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار