19 ربيع الآخر 1433

تجربة الصين ورأسمالية الدولة


هنالك وضع غريب في الصين. بلد كبير يشكل خمس سكان العالم، ويتقدم بنجاح ملحوظ في المجال الاقتصادي وفقا لبعض الممارسات الرأسمالية الشائعة،حتى ان بعض التقديرات ترى في ذلك تنافسا شديدا بغية احتلال المركز الاول في العالم. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى يقوده حزب شيوعي فعال في الوقت ذاته.
كيف يمكن ان تفسر هذه الظاهرة، وما هو تأويلها ماركسيا او علميا ؟
ان عدد من المنظرين التقليديين، يصفون هذا التطور بأنه رأسمالية الدولة، استنادا الى النهوض الهائل في التنمية المستند الى الدور المتنامي للدولة وتصاعد موجة الاستثمارات الاجنبية في الصين وتوسع النشاط الحكومي الخارجي في ميادين الاستثمار و التعاون الاقتصادي في الخارج. 
ليس من السهل قبول هذه المقولة او هذا التأويل لاعتبارات عديدة، منها الجمع بين  الرقابة السياسية والنشاط الاقتصادي للدولة بحيث اصبح الامر في غاية التعقيد والاختلاط ويدعو الى صياغة مفهوم جديد للظاهرة الصينية. ويتمثل الحرج هنا في الدور الملحوظ او الاستثنائي للدولة ومؤسساتها على خلاف النظرة الشائعة في الاقتصادات الاشتراكية التي تقلل من شأن ومفاعيل هذا الدور، بل ان بعضها يستهين به ويضعه في مؤخرة عوامل النمو الاقتصادي.
والحقيقة ان قيادة الصين، وخاصة السيد دينغ Deng،الذي تولى ادارة الحزب والدولة هو الذي طرح هذا الخليط المهم من السياسات والمفاهيم، اذ قال قبل سنين وفي بداية التغيير الذي حل بالبلاد : 
" ان المهمة الان هي كيفية تحقيق النمو الاقتصادي، اذ أن الاحزاب الشيوعية في   الاتحاد السوفيتي واوروبا اصبحت شيئا من التاريخ، لانها عجزت عن الوثوب في مجال التنمية ". 
ماذا ترتب على هذا القول الكبير ؟
ان معدل النمو الاقتصادي في الصين يبلغ الان حوالي ثمانية بالمئة، وجرى انقاذ اكثر من 400 مليون شخصا من البطالة. وهنالك من يرى ان التجربة الصينية هي عنوان لتوليفة من الرقابة السياسية واقتصاد السوق كما ذكرت مجلة الـEconomist البريطانية في اعدادها الاخيرة.
 ولا يمكن للصين ان تواصل نهوضها هذا مالم تغير نموذجها التقليدي الذي كان سائدا قبل التغير الكبير الذي اقدمت عليه وطبقته فعلا. والواقع ان حرص الصين على تفادي متاعب الازمة العالمية التي تصيب غالبية البلدان المتقدمة اقتصاديا لايمكن ان يتحقق مالم يجرالتغير المطلوب وفق رؤية جديدة ومفاهيم جديدة.
 ذلك ان كل شئ يتغير اليوم في العالم ولا يمكن للصين ان تبقى جامدة على موقفها القديم من جميع النواحي، ولعل اهم المتغيرات المطلوبة هو اعادة النظر بدور الدولة او تكييفه بما يخدم القضية الاجتماعية والتسابق الدائر في العالم.كما يتعين  الاهتمام بالاستهلاك المحلي الى جانب الاستثمار والتصـــدير.
وهنا يأتي ذكر عدة عوامل اساسية حتى يمكن المحافظة على معدل مستمر ومتصاعد للنمو الاقتصادي في الصين، ومنها :
-1 ثمة حاجة لتقسيم اكثر عدالة للمنتوج الاجتماعي، او الدخل القومي، فالمصارف الصينية تلتهم الان الحصيلة الرئيسية من ذلك كما تقول المجلة ذاتها.
-2 ان  الشغيلة  لاتتمتع بالقدر الكافي من حصص توزيع الدخل، فهنالك حاجة لتوسيع القدرة الشرائية لهذه الفئة الكبيرة من السكان لتتيح لهم المشاركة في الرأسمال المستخدم بقدر مناسب، فثمة اوساط واسعة من المواطنين تشكو من قلة العوائد التي ينالونها بسبب التوسع الاقتصادي، فالكثير من المواطنين يحسون بأن هذه العوائد تصلهم بصورة ضئيلة ومحدودة. 
-3  ان عوامل التقدم الحاصل، تتركز في وجود ارض رخيصة، وقوة عمل رخيصة ايضا. وهي اشد ندرة من مناطق اخرى في العالم، الامر الذي يفرض على الحكومة ان تقوم بإنفاق رأسمالي على نطاق واسع. ذلك ان تحرير النظام المالي من القيود التقليدية من شأنه ان يعطي المستهلكين قوة شرائية اكبر ويحسن التخصيصات الرأسمالية.
-4 هنالك مشكلة اخرى تتعلق بالمهاجرين القادمين  من الريف،اذ بدأ يتشكل لدى هؤلاء شعور غريب وكأنهم مواطنون من الدرجة الثانية وخاصة بالنسبة للتعليم والرعاية الصحية.
5- ثم هنالك تحسس او تحفظ كبير ازاء الحراك الاجتماعي في الصين، اذ تعتبره بعض القيادات بأنه مؤشر خطير يؤدي الى الفوضى في البلاد.
 لذا تتخذ بين فترة واخرى اجراءات قمعية للحد من هذا التحرك، وهذا امر يصعب قبوله او تبريره، فالعالم يشهد الان موجات عارمة من الفعاليات والنشاطات الاجتماعية المتنوعة الهادفة لمزيد من التقدم على طريق التحرر والديموقراطية والانفتاح على المجتمعات الاخرى.
 إذن كيف يمكن للصين ذات الوزن الاقتصادي والسكاني الهائلين ان تواصل مسيرة التقدم هذه، وهي محكومة بتعارض واضح بين النهج الاقتصادي الموسوم  بـ " الرأسمالية " والايديولوجيا الاشتراكية التي يلتزم بها حزبها القائد للسلطة والمجتمع.
هذا ســؤال كبير يشغــــل الكثيــر مــن الخبــراء ودعاة التقدم الاجتماعي ويتعين ايجـاد الجــواب المنــاســب لــه في المستقبــل.

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار