27 ربيع الأول 1433

هل تنجح الصين في تدويل عملتها؟


تزداد التكهنات والتوقعات بأن يتحول اليوان الصيني إلى عملة الاحتياط الأولى عالميا، بدلا من الدولار الأميركي. فالصين باتت أكبر مصدر في العالم، وأكبر مستثمر في السندات السيادية وثاني أكبر اقتصاد في العالم. كما يمكن تلمس رغبة الصينيين في تدويل عملتهم عقب الأزمة المالية العالمية، فهل ينجحون؟
في أول رد لهم على الأزمة المالية العالمية، قال الصينيون صراحة وبلهجة حادة في اجتماع مجموعة العشرين في العام 2008: «العالم في حاجة إلى نظام مالي جديد». ولم يمض على هذا التصريح الكثير من الوقت حتى برز اليوان كعملة متداولة على الساحة العالمية. ففي الأشهر الستة الأولى من العام الماضي، تضاعفت التداولات التجارية بالعملة الصينية بأكثر من 13 ضعفا خلال 12 شهرا، كما تضاعفت الودائع بالعملة الصينية في هونغ كونغ بنحو 10 أضعاف منذ هذا التصريح. واليوم، يريد الصينيون أن يدخل اليوان ضمن سلة العملات التي تحدد قيمة حقوق السحب الخاصة التي يصدرها صندوق النقد الدولي.
في الواقع، ان البنوك المركزية تعزز احتياطاتها بالعملة الأجنبية لسببين، إما لضمان قدرتها على سداد قيمة الواردات، أو لضمان قدرتها على تسديد ديونها بالعملة الأجنبية. وإذا ما نظرنا إلى خارطة العالم المالية اليوم، لوجدنا أن معظم واردات العالم تأتي من الصين، كما أن الأخيرة هي أكبر مقرض في العالم. وبالتالي، من المنطقي أن يزداد ثقل اليوان بين العملات العالمية الرئيسية.
لكن ما يستدعي التوقف عنده هنا هو أن توجه الصين نحو تدويل عملتها لا يقوم على استراتيجية وسياسة واضحة المعالم، بل يأتي من منطلق محاولة الحد من انكشافها على الدولار الأميركي ومخاطر الأسواق العالمية. فالنمو الاقتصادي الصيني يتأتى بشكل أساسي من الفائض الهائل في ميزانها التجاري، مستفيدة من ضعف سعر صرف عملتها مقابل العملات الأخرى. وقد راكم البنك المركزي الصيني إثر ذلك احتياطات خيالية بالدولار، كما توسع الصينيون في الاستثمار بالسندات الحكومية في الولايات المتحدة الأميركية.
وقد أخذ النموذج الاقتصادي الصيني هذا حيزا واسعا من النقاش بين واضعي السياسات في الصين والإصلاحيين الذين يدعون إلى خفض الاعتماد على الصادرات وتعزيز الطلب المحلي على حساب الطلب الخارجي، لاسيما وأن النمو الصيني قد تضرر كثيرا من الركود الذي أصاب الاقتصادات المتقدمة عقب الأزمة.
إلا أن دعوات الإصلاحيين تستدعي أن تقوم الصين بتخفيف قبضتها على نظامها المالي، و«تحرير» سعر الصرف والسماح لأسعار الفائدة بالارتفاع بما يحقق للمودعين عوائد أكبر لحثهم على الإنفاق، وهو ما لم يلق آذانا صاغية لدى صناع القرار، فرأوا في تدويل اليوان مدخلا للانفتاح الاقتصادي، وهو خيار اتفق عليه الطرفان.
في الواقع، ان توجه الصين هذا لم يأت كاستجابة لدعوات الإصلاحيين، لا سيما وأن الدعوات تلتقي مع مطالب الولايات المتحدة الأميركية بأن ترفع الصين قيمة عملتها، بل لأن صناع القرار أدركوا حجم المخاطر الهائلة التي تواجه الاقتصاد الصيني في حال استمر الوضع على ما هو عليه. لكن ما يريده الصينيون اليوم هو الحفاظ على حجم صادراتهم، وبالتالي الإبقاء على سعر صرف منخفض، وفي الوقت نفسه تحفيز الطلب المحلي، وهو ما يستدعي ارتفاع سعر الصرف لتعزيز القدرة الشرائية لدى المواطنين.
أمام هذه المعضلة، أقام الصينيون ما يشبه حقل الاختبار في هونغ كونغ. وفتحت الصين المجال أمام عدد من مقاطعاتها لاعتماد اليوان في تداولاتها التجارية مع هونغ كونغ. لكن النتيجة جاءت على عكس ما يشتهي الصينيون، إذ بات لليوان سوقان موازيان، الأول في الصين (المركز) حيث تتحكم السلطات بسعر صرفه المنخفض، والثاني في هونغ كونغ ذات قيمة أعلى نتيجة الطلب المرتفع عليه من قبل المضاربين الأجانب.
في الواقع، يقيد هذا الهامش بين سعري صرف اليوان بين المركز وهونغ كونغ جهود الصين لخفض احتياط المركزي الصيني من الدولار، وذلك لسبب بسيط هو تضارب المصالح بين الموردين والمصدرين: فما حصل هو أن الموردين اتجهوا نحو هونغ كونغ للتداول مع الشركات الأجنبية للاستفادة من ارتفاع سعر صرف اليوان هناك (وهو ما يبرر ارتفاع الودائع باليوان في هونغ كونغ)، فيما واصل المصدرون الذين يحصلون الدولارات شراء اليوان من البنك المركزي الصيني للاستفادة من سعر صرفه المنخفض، ما رفع بالتالي من احتياطات البنك المركزي من الدولار بدلا من تراجعها كما تشتهي السلطات. وهو ما يعزز من الخسائر المحتملة التي قد يتكبدها البنك المركزي في حال قررت السلطات تحرير (أو تعويم) اليوان، هذا من دون ذكر الضغوط التضخمية الناجمة عن ذلك.
هذه التكلفة مازالت طفيفة نسبيا ويمكن للسلطات تحملها إذا ما انحصرت التجربة في هونغ كونغ. لكن إذا ما أرادت الصين تدويل عملتها، فالتكلفة ستكون باهظة من دون تبني إصلاحات اقتصادية ومالية جذرية. لذلك، نرى الصينيون اليوم يتريثون في خيار تدويل اليوان.
لقد حاول الصينيون الخروج مما يعرف بـ «دوامة الدولار» التي أوقعهم فيها نموذجهم الاقتصادي، فوقعوا في دوامة أخرى غير منتظرة دفعتهم إليها محاولات تدويل اليوان. عادة ما يكون خيار تدويل العملة باكورة الإصلاحات المالية، لكن الصين أرادته أن يكون مدخلها. لكن على الرغم من ذلك، من الخطأ التقليل من قدرة الصينيين على الابتكار وإيجاد الحلول. فعلى العكس من القادة الأميركيين والأوروبيين الذي يحترفون خلق المشاكل، يعرف الصينيون كيف يجتزئون الحلول.
على أي حال، لم يرد الصينيون من تجربتهم هذه في هونغ كونغ إلا تقييم نتائجها. والنتيجة في رأيي أن الصين قد تنجح في تدويل عملتها، وقد يزاحم اليوان العملات الرئيسية الأخرى مثل اليورو (إذا بقي) والجنيه الاسترليني والين، لكن ليس في المدى القريب، كما انه بالتأكيد لن يستبدل الدولار في المستقبل المنظور.
* الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك الكويت الوطني عضو مجلس إدارة معهد التمويل الدولي ومجموعة بريتون وودز العالمية في واشنطن

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار