05 ربيع الآخر 1433

تشي جين بينغ .. «أمير صغير» يصعد بغموض إلى العرش الصيني


جميل أندرليني من لندن
حين تم رفع تشي جين بينغ إلى قمة هرم الحزب الشيوعي عام 2007، كان الشيء الوحيد الذي يعرفه معظم الناس في الصين عنه هو أنه متزوج بمغنية عسكرية تحظي بشعبية كبيرة تدعى بينغ لي يوان.
هكذا تحولت آلة الدعاية في الحزب نحو بينغ، وهي لواء كبير في جيش التحرير الشعبي، للتعريف بالرجل الذي تم اختياره في الاجتماع السري لصانعي السلطة السياسية ليكون القائد المقبل لأكبر دولة من حيث عدد السكان.
قالت في مقابلة مع وسائل الإعلام الرسمية الصينية: "في المرة الأولى التي التقيت به دق قلبي، وشعرت فوراً أنه زوجي المثالي، فقد كان نقياً جداً وعطوفاً". ووصفته بينغ أيضاً بأنه متواضع، وملتزم بعمله كمسؤول في الحزب.
مثل معظم كبار القادة السياسيين في الصين، فإن تشي جين بينغ شخصية غامضة لا توفر سيرته الرسمية المحسنة، وتصريحاته العلنية الكثير من التلميحات حول السياسات التي سيتبعها حين يعتلي العرش الشيوعي.
في الصين وفي الخارج، يعكس الناس تحيزاتهم وتفضيلاتهم على الرجل الذي من المؤكد تقريباً أنه سيخلف الرئيس هيو جين تاو، كالأمين العام للحزب الشيوعي في نهاية هذا العام ورئيس الجمهورية، وقائد الجيش بعد فترة وجيزة.
يقول البعض إنه زعيم وطني قوي قد يحاول مواجهة الغرب، في حين يقول آخرون إنه موالٍ للغرب، ولكنه منعزل، بل يتكهن بعض الليبراليين المتفائلين بينهم بأنه قد يكون جورباتشوف الصين، الحريص على إدخال الديمقراطية في أول فرصة تسنح له.
لم تفد زيارته إلى الولايات المتحدة الأسبوع الماضي، حيث تم استقباله كما لو أنه فعلاً رئيس الدولة، كثيراً في تسليط الضوء على ميوله السياسية على الرغم من أنها دفعته إلى دائرة الضوء العالمية، حيث ظهر واثقاً بنفسه، وإن كان محايداً إلى حد ما.
لكن خلافاً للمظاهر، وسيرته الذاتية الرسمية المحسنة، فإن مسار تشي إلى قمة السلطة الشيوعية لم يكن مملاً على الإطلاق.
تشي، الذي ولد "كأمير صغير" للواء ثوري عام 1953 كان محاطاً بالامتيازات من سن مبكرة، حيث كان يعيش في مجمع لكبار القادة الصينيين تتوافر فيه وسائل الراحة – الخدم، والهواتف، وإمدادات غذائية ثابتة - التي لم يكن معظم المواطنين في الدولة الفقيرة يحلمون بها.
لكن كل هذا سلب منه، حين تم اعتقال والده، تشي زونغكسون، الذي كان في ذلك الوقت قد أصبح نائب رئيس الوزراء، عام 1962 في إحدى عمليات التطهير القاسية التي كان ماو تسي تونغ يقوم بها. وحرم من وسائل الراحة التي يتمتع بها النخبة، ومن مكانته كـ "تشي الصغير"، الذي تم وصمه خلال الخمسة عشر عاماً التالية بوصفه ابن معارض الثورة.
ساءت الأمور مع اجتياح الثورة الثقافية للبلاد في أواخر الستينيات، وتم إرساله إلى الريف في سن الخامسة عشرة ليكدح مع الفلاحين كواحد من الملايين من "الشباب المثقفين الذين تم إيقاف دراستهم". وفي قرية صغيرة في مقاطعة شانشي الشمالية، كان ينام مثل السكان المحليين على سرير مليء بالبراغيث، ومصنوع من الطوب، في كهف تم حفره في التراب الأصفر. وكتب تشي لاحقاً: "كنت أبتلع الكثير من المرارة في ذلك الوقت. إلا أن تجربتي هناك كان لها تأثير عميق عليّ، وقد شكلت شخصيتي المتواضعة الكادحة".
يقول بعض أصدقائه إن هذه التجربة غرست في نفسه رغبة جامحة في أن يصبح من كبار المسؤولين في الحزب، ويعود إلى مجمعات القيادة التي كان يعيش فيها في شبابه.
في حين كان والده يقبع في السجن، حاول عشر مرات الالتحاق بالحزب نفسه الذي ألحق بعائلته الكثير من المعاناة ولكن تم رفضه بسبب "خلفيته الطبقية السيئة". وأقنع الحزب أخيراً بقبوله عام 1974، وبعد عام من ذلك تم قبوله في جامعة شينخوا للنخبة في بكين.
حين كان يدرس الهندسة الكيميائية، انتهت الثورة الثقافية، وجاء دينغ هسياو بينغ إلى السلطة، وتمت إعادة تأهيل والد تشي قبل إرساله من قبل دينغ ليحكم مقاطعة غوانغدونغ. وفي عام 1979، تم منح تشي وظيفة ممتازة كمساعد جينغ بياو، وزير الدفاع الصيني، والرفيق القديم لوالده.
وفقاً لأصدقاء وعائلة تشي، اتخذ قراراً "مدروساً" عام 1982 بالعودة إلى الريف من أجل بناء سيرته الذاتية كمسؤول متأصل الجذور. وتم في النهاية تعيينه حاكماً لمقاطعة فوجيان، المقاطعة التي تقع عبر المضيق مع تايوان، عام 2000، ثم سكرتيراً للحزب في مقاطعة تشجيانغ المزدهرة عام 2003.
جاءت ترقيته إلى منصب نائب الرئيس، والوريث المفترض للرئيس هيو جين تاو عام 2007، بعد أشهر فقط من إرساله إلى شنغهاي ليحل محل سكرتير الحزب السابق المأفون، تشن ليانغ يو، أكبر مسؤول تم القبض عليه بتهمة الفساد منذ أكثر من عقد من الزمن.
تعود هذه القفزة من الغموض إلى مركز الصدارة جزئياً إلى جهوده المدروسة لتطوير صورته كموظف عام متواضع، بعد أن عانى نكسة كبيرة قبل عقد من الزمن. وفي عام 1997، وفي وسط ردود الأفعال السلبية ضد "صغار الأمراء"، حل في المرتبة الأخيرة في تصويت داخلي من قبل النخب الشيوعية لاختيار أعضاء اللجنة المركزية للحزب البالغ عددهم 344 عضواً.
في نظام غامض يشتهر بتفشي الكسب غير المشروع والفساد، يعتبر تشي "نظيفاً"، على الرغم من أنه ليس بمنأى عن الجدل.
يشير النقاد إلى أنه حصل على شهادة الدكتوراة التي يحملها في القانون من جامعة شينخوا لدورة أثناء العمل في "النظرية التطبيقية الماركسية، والتعليم الأيديولوجي"، وقال بعض المعلقين إنه انتحل كل أطروحته أو جزءا منها التي كتبها حين كان حاكماً لمقاطعة فوجيان.
تدرس ابنته الوحيدة من زوجته بينغ في جامعة هارفارد تحت اسم مستعار، الأمر الذي يدفع الكثيرين إلى التشكيك في ثقته بنظام التعليم للنخبة في الصين.
لن تعرقل أي من هذه المخاوف صعود تشي إلى القمة في نهاية هذا العام. ولكن المسار الذي سيقرر سلوكه حين يصل أخيراً إلى الهدف الذي وضعه لنفسه حين كان شاباً، لا يزال لغزاً.
يقول شينغ لي، وهو خبير في السياسة الصينية للنخبة في معهد بروكينغز: "لا نعرف الكثير عن آرائه بشأن الإصلاح السياسي، أو كيفية تعامله مع العلاقات مع الغرب. وإلى حد ما، ربما لا يعرف تشي نفسه الطريق الذي سيسلكه".

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار