03 ربيع الآخر 1433

Asia Times : الصين لا تشارك في معركة تغيير النظام في سورية


 Peter Lee

إذا حصل ما يريده الفرنسيون فإن التدخل الإنساني في سورية سيشمل إنشاء «ممر إنساني» لتسليم الأغذية والإمدادات الطبية إلى حمص، ما يساهم في تنشيط المعارضة المؤيدة للتدخل الأجنبي وتوجيه ضربة موجعة في قلب النظام السوري الذي يدّعي الشرعية والسيادة الوطنية.
وفق قواعد اللعبة الاستبدادية التي تفضلها الصين، يقوم الرئيس السوري بشار الأسد بما يجب فعله: إحداث وقيعة بين “المعارضة المشروعة” لحكمه والمتمردين والثوار المتشددين عبر إصدار مذكرات عفو مستهدفة وتقديم تنازلات معينة؛ وعزل المعارضين السياسيين العنيفين وقمعهم بالقوة؛ وتعزيز استعمال القوة العسكرية لاستعادة السيطرة على المعاقل التي استولت عليها الميليشيات مثل حمص؛ وعرض حل للخروج من المأزق عبر صياغة دستور جديد. ربما قام الأسد بأمور صائبة لكن بطريقة خاطئة، أو ربما لم يبذل ما يكفي من الجهود. مع اقتراب الذكرى الأولى لانطلاق حملة القمع الوحشية، يبدو أن نظام الأسد يعمد إلى تهميش شريحة واسعة من شعبه. لن يكون الدستور الجديد الذي يترافق مع مجاملات عابرة واعتذار من النظام كافياً لتحقيق المصالحة وإرساء الاستقرار، ولا بد من خوض عملية ضرورية وخطيرة للتكيف مع الوضع المستجد وتقاسم السلطة. ربما استوعبت الصين هذه النقطة بشكل أوضح من روسيا أو نظام الأسد نفسه، فبينما تنتقل سورية والسياسات الغربية والعربية تجاه سورية من أزمة إلى أخرى، فقد تبحث الصين عن فرص جيدة لتنفيذ استراتيجيتها. في نهاية الأسبوع الماضي، زار نائب وزير الخارجية الصيني تشاي جون دمشق في محاولةٍ لإيجاد فرصة معينة لفرض استراتيجية سياسية مغايرة على أن تتجنب تغيير النظام وإطالة وضع المراوحة مع الحرص على إطلاق عملية إصلاحية متطورة يتم إدراجها في الدستور الجديد. تُعتبر مسودة الدستور السوري وثيقة متعددة الأوجه، فهي تقترح نظاماً تعددياً لتهدئة مخاوف بعض السوريين المعتدلين ولكنها تمنح حزب البعث امتيازات متنوعة، إذ تمنع المسودة نشوء “الأحزاب التي تكون خلفيتها دينية” (يهدف ذلك إلى كبح عدو الأسد اللدود المتمثل بجماعة “الإخوان المسلمين)، ولكنها تنص في الوقت نفسه على ضرورة أن يكون الرئيس مسلماً من أجل تهدئة مخاوف المسلمين المحافظين. أعلن الأسد إجراء استفتاء على الدستور الجديد في 26 فبراير، ومن المثير للاهتمام أن نراقب مسار الاستفتاء الدستوري ومستوى الدعم الذي يستطيع النظام حصده حتى الآن بعد حملة قمعية وحشية بدأت منذ سنة. لكن من المستبعد أن يسمح أعداء الأسد داخل البلد وفي الغرب ومجلس التعاون الخليجي وتركيا للنظام السوري باستعمال ذلك الاستفتاء لترسيخ شرعيته وإثبات قدرته على إخراج البلد من المأزق السياسي الراهن. لقد تبين أيضاً أن أي جهد يبذله النظام السوري لكسب الزخم السياسي وتطبيق الإصلاح يصطدم بحملة مضادة تعتبر أن الأوان فات على هذه الخطوات في ظل استمرار الأعمال الوحشية اليومية وتهدف إلى استباق أي حافز يمكن أن يمهّد للمصالحة. حتى بعد الإعلان عن الاستفتاء، صرحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية فيكتوريا نولاند (هي زوجة المحافظ الجديد روبرت كاغان وكانت المستشارة الأمنية لنائب الرئيس ديك تشيني) بأن رحيل الأسد هو الحل الفاعل الوحيد. واعتبر محلل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أن ذلك الاستفتاء المرتقب هو مجرد “استعراض ظاهري”. كذلك، نقلت قناة “سي إن إن” (CNN) أن أغلبية الأطراف داخل البلد تؤكد أن قوات الأسد تذبح أعداداً هائلة من المدنيين. وعرضت وسائل الإعلام الغربية اتهامات سخيفة أطلقتها المعارضة مفادها أن القوات الجوية السورية قصفت خط أنابيب الوقود الذي يعود إلى النظام نفسه (عملياً، من فجّره هو شخص ينتمي على الأرجح إلى المعارضة العنيفة التي يرفض الغرب الاعتراف بوجودها حتى الآن). كان إعلان الأسد عن تقديم تاريخ الاستفتاء (كان يُفترض إجراؤه في شهر مارس) رداً على التصعيد الأخير في النشاطات الهادفة إلى تغيير النظام، إذ من المتوقع أن يُعقد مؤتمر “أصدقاء سورية” في تونس في 24 فبراير. لا شك أن خصوم الأسد في الخارج سيستغلون المؤتمر التونسي لإطلاق دعوة رسمية إلى تنفيذ تدخل إنساني في سورية بعد أن حُرموا من فرصة تجريد نظام الأسد من شرعيته عبر مجلس الأمن بسبب الفيتو الثنائي الروسي والصيني. سيكون ذلك التدخل المنشود حجة أخلاقية ضرورية لتبرير تجاهل الدعوات المتضاربة إلى توقيع المعاهدات وتدخل المؤسسات الدولية عند الحاجة واللجوء إلى تطبيق مفهوم “مسؤولية الحماية” كما حصل في ليبيا. دعماً للقوات المعادية للأسد، تحدثت المفوضة السامية لحقوق الإنسان نافي بيلاي عن احتمال إدانة الأسد في المحكمة الجنائية الدولية علماً أن هذا الإجراء كان قد عقّد الوضع في السودان وأطاح بفرص التفاوض مع معمر القذافي في ليبيا، وبالتالي سيصبح التفاوض مع الأسد مستحيلاً بهذه الطريقة: “لقد استنتجتُ مع بعثة تقصي الحقائق ولجنة التحقيق في أحداث سورية أن جرائم ضد الإنسانية ارتُكبت على الأرجح في ذلك البلد. لذا شجعتُ مجلس الأمن على إحالة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية. يجب أن تضمن جميع الدول الأعضاء عدم تمرير هذه الجرائم من دون محاسبة”. قدمت بيلاي أيضاً طلباً للتمكن من نقل المساعدات الإنسانية التي يمكن أن تكون أساس الحجج التي قد يستعملها الغرب ومجلس التعاون الخليجي لتنفيذ التدخل في سورية: “يجب السماح أيضاً بدخول هيئات المراقبة الدولية والمستقلة، بما في ذلك بعثة من مكتبي الخاص ومن لجنة التحقيق المستقلة، إلى سورية. ويجب أن يتمكن العاملون في مجال المساعدات الإنسانية من دخول البلد فوراً ومن دون عوائق. لن تُفرَض “منطقة حظر جوي” على سورية، فقد تجنب الأسد، عن قصد على الأرجح، استعمال النقل الجوي والدعم الجوي في عملياته الأمنية كي لا يمنح الغرب ومجلس التعاون الخليجي حجة لفرض حظر جوي، علماً أن هذا الحظر تحول سريعاً في ليبيا إلى حظر كامل ثم شمل الاعتداء على أي هدف حكومي له قيمة تكتيكية أو استراتيجية”. لتجاوز هذا العائق، سيشمل التدخل الإنساني (إذا حصل ما يريده الفرنسيون) إنشاء “ممر إنساني” لتسليم الأغذية والإمدادات الطبية إلى حمص، ما يساهم في تنشيط المعارضة (أقله شريحة المعارضة التي تعتمد استراتيجيتها على التدخل الخارجي لإسقاط نظام الأسد) وتوجيه ضربة موجعة في قلب النظام السوري الذي يدّعي الشرعية والسيادة الوطنية. في وسائل الإعلام الغربية، وحده المجلس الوطني السوري يعبّر عن صوت المعارضة السورية، لكن الوضع الحقيقي أكثر تعقيداً لأن المعارضة لا تنحصر في إطار هذا المجلس بأي شكل. يؤكد هذا الواقع الإفلاس السياسي الذي يواجهه الغرب ومجلس التعاون الخليجي لدرجة أن الجماعة التي اختاروا دعمها تتألف في معظمها من عدد من المنفيين الفاسدين ولا وجود لهم داخل سورية، ويغلب عليهم المتشددون الإسلاميون السُّنة المنتمون إلى “الإخوان المسلمين” (تقبع هذه الجماعة في المنفى منذ ثلاثة عقود تقريباً). في نهاية يناير 2012، كتب جاستن فيلا في مجلة “فورين بوليسي” (Foreign Policy): “يعبّر عدد كبير من الناشطين والدبلوماسيين عن مخاوفهم من المجلس الوطني السوري وينتقدون قلة تماسكه وفاعليته. لم يفقد جميعهم الأمل في المجلس بعد، ولكنهم يعتبرونه منظمة بعيدة كل البعد عن المحتجين ميدانياً ويسيطر عليها “الإخوان المسلمون” السوريون”. في هذا الصدد يقول عمار قربي، ناشط سوري في مجال حقوق الإنسان: “لا أحد في المجلس الوطني السوري يتمتع بنفوذ كبير داخل سورية. انضم معظم أعضاء المجلس الوطني السوري إلى قافلة المعارضين بعد انطلاق الثورة”. لكن من الواضح أن أبرز مسألة شائكة بشأن المجلس الوطني السوري تتعلق بالدور البارز الذي يلعبه “الإخوان المسلمون”. يقول دبلوماسي غربي يعمل في أنقرة: “يقتصر المجلس على حزب “الإخوان المسلمين” حصراً”. عاش “الإخوان” في المنفى طوال 30 عاماً بعد أن خسروا صراعاً مسلحاً مريراً ضد النظام خلال الثمانينيات، ولا يثق بعض الناشطين برؤيتهم عن الديمقراطية وتركيبة النظام المستقبلي بعد حقبة الأسد. يبدو أن “الإخوان” يصرون على الإطاحة بالنظام السوري لأنهم يدركون أن الأسد، حتى لو حاول مراعاة طموحات المعارضين المنادين بالديمقراطية، فلن تشمل خططه “الإخوان” بأي شكل.

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار