١٦ أغسطس ٢٠١١

تحولات الحياة في حقبة افتراضية بعد زوال الإنسانية



معرض فريد من نوعه في العالم يستضيفه متحف الفنون القومية في العاصمة الصينية، بيجينغ. يتناول، في فكرته الأساسية، حقبة ما بعد الإنسانية في مفاهيمها المتداولة.
ولعل القيمين على هذه المناسبة، أرادوا في قرارة أنفسهم، أن يثبتوا للغرب الأميركي والأوروبي، ان بمقدور الصين ان تتصدر قائمة البلدان في مجال الإبداع، أسوة بتصدرها المكتشفات والاختراعات في مجال التكنولوجيا المعقدة. ومع ذلك، يندرج هذا الحدث، غير المألوف في طبيعة مضمونه، في سياق الفن الاستباقي الذي يذهب بعيداً في استشراف التصورات عندما تنتفي الحياة في أشكالها العادية. وتنهض أشكال أخرى من التعبير عن نمط العيش لا يزال في علم الغيب.
اللافت، في هذا الإطار، ان المشاركين في هذه التظاهرة المدهشة، لا يقتصرون فقط على الفنانين الصينيين. فقد ارتأت إدارة المتحف ان توجه دعوات الى نخبة واسعة وعريضة من المعنيين باستشراف أبعاد "الحياة بعد زوال الحقبة الإنسانية"، من جميع أنحاء العالم من دون استثناء. وجاءت الحصيلة مشجعة للغاية. عشرات من النحاتين والرسامين وزملاء لهم ممن يستثمرون آخر صيحات التكنولوجيا الرقمية في الإبداع الفني، توافدوا الى الصين ليدلوا بدلوهم في استكشاف أبعاد هذه الفكرة الطريفة والمخيفة في آن. والأرجح ان الصين سعت من خلال ذلك، الى استيعاب هؤلاء الفنانين، وجلهم من المشاهير، تعزيزاً لفكرة هي صينية بامتياز، وليست غربية في أي حال من الأحوال.
يعلق على مكونات المعرض وعنوانه والغاية المرجوة منه، مدير المعرض، فان ديان، بالقول "نحن بحاجة ماسة الى إقامة شيء من التوازن بين مصالح مختلفة. ان المجتمع الإنساني الذي تشهده في الوقت الراهن، وتساهم في تطويره أو الاساءة إليه، يتعرض لضغوط عنيفة من أسباب التحول والتغير بوتيرة متسارعة. بالمثل يلتقط الفن هذه الاشارات بشفافية كبرى، ليتحول هو الآخر جاعلاً من كل شيء مادة قابلة للتحول أيضاً. تشير المقتنيات المعروضة الى ثلاثة وخمسين عملاً لثمانين فناناً من الصين وأوروبا والولايات المتحدة وآسيا وأفريقيا واستراليا وسواها. يجمع بينهم جميعاً انكبابهم على استخدام مخيلاتهم وغرائزهم واستشرافاتهم لإعادة إنتاج العالم المتوقع في المستقبل البعيد، على نحو غير تقليدي.
تتميز الأعمال المعروضة بتلك الوفرة من فنون الغرافيكس التي يتيحها الحاسوب على نطاق واسع. أليس الكومبيوتر، في هذا السياق، جزءاً لا يتجزأ من الحياة التي ينحدر إليها العالم بخطى سريعة. ومن المعروضات الهامة، وربما الأكثر دهشة واتقاناً وانسجاماً مع فكرة الحياة المتحولة، تلك التي تتناول العلاقة بين الحقائق التي يظن أنها ثابتة، من جهة، ومثيلاتها الافتراضية التي يظن ان أهميتها الأساسية تكمن في طبيعتها الاحتمالية أكثر من أي شيء آخر. والأغلب ان أعمالاً كهذه تطرح، بالدرجة الأولى، تساؤلات غامضة مثل: هل اصبح الكومبيوتر قادراً على ان يزود نفسه بالطاقة ليزداد ذكاء وشمولية واستمراراً؟ هل لا يزال العالم الذي يدور في الوقت الراهن حول فكرة أحدية تقوم، في الأساس، على نظرة الإنسان الثابتة الى الحياة والكون وما يتفرع منهما من حقائق مفترضة؟
هذه التساؤلات وسواها الكثير، تطرحها الأعمال المعروضة بقوة، وتناقشها كذلك في سياق من التشابه والاختلاف بين سائر المعروضات. يضاف الى ذلك ان التباين الواضح بين مختلف الأعمال يعمّق الفكرة التي استثمرها المشرفون على المتحف من أجل تنظيم هذه التظاهرة الفنية الفريدة من نوعها على نحو قاطع. ومع ذلك، فإن التباين والاختلاف بدا ضرورياً للغاية لمزيد من الغوص في خفايا الفكرة ومحاولة التوصل الى تصورات جديدة ومذهلة لأشكال الحياة التي تبدو مقلقة بعد ان تنتفي عنها الحاجة الى التشبث بما يسمّى الحقائق الراهنة

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار