22 ذو الحجة 1431

الصين وكوريا الشمالية... أعباء الشراكة الصعبة



على الجانب الصيني لنهر "يالو" الذي يفصلها عن كوريا الشمالية تزدهر بلدة "داندونج" الصينية بفعل حركة التجارة النشطة في المنطقة الحدودية، فبمقربة من جسر "طريق الصداقة" الذي سيصبح عما قريب الجسر الثاني الرابط بين بلدة "داندونج" الصينية ومدينة "سينويجو" الكورية الشمالية ترتفع البنايات السكنية وتنتشر مكاتب التجارة وشركات التصدير والاستيراد على ضفتي النهر، هذا بالإضافة إلى المطار الجديد الذي يتم تشييده لاستقبال الزوار. وعلى الجانب الصيني من الحدود تصطف المحال التجارية المتنوعة التي تبيع شتى البضائع القادمة من كوريا الشمالية أو الذاهبة إليها بدءاً من مشروب الكرز الكوري وليس انتهاء بالمعدات الإلكترونية التي يُقبل عليها الكوريون الشماليون بكثرة، هذا في الوقت الذي تقدم فيه المطاعم الكورية أكلات محلية مشهورة تعرض أشهى الأطباق وألذها للزوار الصينيين. وتسعى "داندونج" كما باقي المناطق الصينية الحدودية في الشمال الشرقي للاستفادة من النشاط التجاري المتنامي بين البلدين والتجارة الحدودية القائمة بينهما التي تقدر قيمتها اليوم بحوالي ثلاثة مليارات دولار سنويّاً.

وعلى رغم المساعي الأميركية والغربية لفرض عزلة على النظام في بيونج يانج بسبب برنامجه النووي وتصرفاته المتهورة مثل القصف المدفعي الأخير الذي استهدف جزيرة تابعة لكوريا الجنوبية وإغراق بحريتها لسفينة جنوبية في شهر مارس الماضي أيضاً، فقد استمرت البلدات الحدودية في الاستفادة من التنامي الملحوظ للنشاط التجاري غير عابئة بالمشاكل الدولية التي تواجهها كوريا الشمالية.

وما زالت الصين هي الداعم الأساسي لكوريا الشمالية بحيث توفر تقريباً 90 في المئة من احتياجاتها للطاقة فضلاً عن تلبية أغلب متطلباتها من الغذاء والأسلحة. وفي آخر إحصاء لقياس حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2008 تبين أن نسبته ارتفعت بحوالي 40 في المئة مقارنة مع السنة السابقة. ولكن على رغم هذا الارتفاع الملموس في التبادل التجاري وانتعاش الاقتصاد في المناطق الحدودية وسعي البلدين إلى تطوير هذا التوجه والدفع به قدماً يقر التجار الصغار على الجانب الصيني بوجود صعوبات كبيرة تحول أحياناً دون تطوير التعاون أو تعزيز التجارة بالشكل المطلوب، فالحكومة في كوريا الشمالية لا تستقر على حال بحيث تتغير القوانين بين فترة وأخرى، ويروي التجار الصينيون قصصاً مريرة عن خسارتهم لملايين الدولارات من البضائع والسلع التي تتم مصادرتها من قبل الكوريين، أو فقط تعمل السلطات على وضع اليد عليها دون مسوغ، وهو ما دفع كثيرين منهم إلى طلب دفعات مسبقة على بضائعهم قبل تحميلها إلى الجانب الآخر من الحدود، والإصرار على إجراء الصفقات التجارية فوق الأرض الصينية لحماية أنفسهم وضمان عدم تعرضهم للغش. وأكثر من ذلك وفيما يبدي المسؤولون الكوريون إعجابهم الصريح بالصين ونموذجها الاقتصادي المزدهر خلال زياراتهم المتعددة يستبعد المسؤولون المحليون الصينيون والتجار الذين يتعاملون مع نظرائهم الكوريين إقدام بيونج يانج في أي وقت قريب على انتهاج اقتصاد السوق والانتقال إلى النموذج الصيني. وهذا ما يؤكده أحد التجار الصينيين الذين يبيعون الفواكه للكوريين بقوله: "لم ألتقط أية إشارات تدل على قرب انفتاح الحكومة الكورية على اقتصاد السوق، فهم لو أرادوا التعلم من تجارب الغير لدرسوا التجربتين الصينية والروسية، ولو أرادوا لسمحوا بالانتقال السهل للناس والبضائع عبر الحدود، ولو فتحوا الحدود لاستفادوا كثيراً".

وقد توثقت العلاقات الصينية الكورية منذ أن عبرت القوات الصينية نهر "يالو" لمساعدة الكوريين في حربهم ضد القوات الأميركية والكورية الجنوبية خلال الحرب الكورية التي يشار إليها في الصين بأنها حرب مقاومة الاعتداء الأميركي ومساعدة كوريا، ولكن على رغم ذلك يعتبر المسؤولون الصينيون الزعيم الكوري كيم يونج إيل مشاغباً بسبب سياسة حافة الهاوية التي ينتهجها مع الولايات المتحدة على خلفية برنامجه النووي وتصرفاته غير المحسوبة مثل قصفه الأخير لمواقع كورية جنوبية مما أسفر عن قتل عنصرين من مشاة البحرية ومدنيين آخرين. ويخشى المسؤولون الصينيون من اتساع الأزمة الاقتصادية في كوريا الشمالية ولذا نصحوا كيم يونج إيل بالانفتاح الاقتصادي والانخراط في إصلاحات وذلك عندما زار الصين في شهري مايو وأغسطس من السنة الجارية حيث التقى بالرئيس الصيني، "هو جينتاو"، حسب ما أوردته وسائل إعلام صينية. وفي بادرة منها للتعرف إلى التجربة الصينية أرسلت كوريا الشمالية العشرات من عمد المدن والمسؤولين المحليين إلى المناطق الحدودية الصينية في شهر أكتوبر الماضي لزيارة المعامل والمحطات الكيمياوية. كما وافقت بيونج يانج على تأجير جزيرتين في نهر "يالو" للصين كي تحولهما إلى "مناطق حرة"، وتم تشجيع الشركات الصينية المتخصصة في التكنولوجيا المتقدمة على استقطاب خبراء كوريين في الكمبيوتر. وخلال شهر سبتمبر الماضي وأثناء الزيارة التي قام بها كيم يونج إيل إلى الصين أقامت بكين سوقاً كبيرة تزيد مساحتها عن 100 ألف متر مربع في بلدة "تومين" القريبة من الحدود الكورية لتشجيع التجار الكوريين على القدوم لبيع منتجاتهم، ولكن فشل التجرية يدل على الصعوبات التي تواجه مساعي دفع كوريا الشمالية إلى الانفتاح حيث قررت الحكومة في بيونج يانج تغيير موقفها فجأة من السوق ومنعت مواطنيها من الانخراط في للتبادل التجاري.

وعن هذه الصعوبات يقول أحد التجار الصينيين الذين يبيعون السمك في السوق "إن التجارة مع كوريا الشمالية تنطوي على مخاطرة كبيرة، أولاً بسبب الإجراءات المعقدة للذهاب إلى هناك، بحيث يحتاج الصيني إلى دعوة من إحدى الشركات الكورية فضلاً عن ثلاثة أختام من ثلاث جهات مختلفة، ولكن ما أن يصل التاجر إلى كوريا الشمالية حتى يواجه جشع المسؤولين الذين يطالبونه بكل شيء بدءاً من الأجهزة الإلكترونية مثل الكاميرات الرقمية وأجهزة تشغيل «دي في دي» وليس انتهاء بطلب دعوات العشاء وتقديم الهدايا المختلفة".

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار