٠٧ يناير ٢٠١٠

الجنس والنساء كيف كان في التاريخ

في عمل موسوعي، أصدر الدكتور عبد اللطيف ياسين قصاب كتاباً بعنوان "الجنس والمرأة عبر العصور"، درس فيه كيف نظرت الديانات والشعوب بعاداتها وتقاليدها وثقافتها إلى مسألة الجنس عند المرأة، منذ المرحلة البابلية إلى أيامنا. وقال إنه يهدف من وراء ذلك إلى "تنظيم الأسرة العربية من خلال تثقيفها ثقافة جنسية، تكشف الغطاء عن الوهم الذي يدمّر أمنها وسعادتها، ونشر الحقيقة العلمية التي تمكن عماديها ‘الزوج والزوجة‘ من حياة سعيدة". وقال إنه يكتب عن الجنس كي يربط "ممارسة الجنس بمنظومة القيم الإنسانية للارتقاء بهذه العملية الغريزية بين الذكر والأنثى إلى الأبعاد السامية التي أرادها الخالق لمخلوقاته، حين جعلهما زوجين اثنين، ذكراً وأنثى".
وفي معرض ذكر القصة التاريخية لعلاقة المرأة بالرجل، قال الباحث: "إن قصة علاقة المرأة بالرجل عبر التاريخ أخذت مسارين، أولهما قديم آلت فيه الغلبة تارة للرجل وأخرى للمرأة. وإن كانت الفترة الزمنية الأطول لمصلحة الرجل، حيث كانت المرأة تعتبر مخلوقاً نجِساً، لا يحق له دخول المعابد أو امتهان مهنة الكهنة بعكس الرجال. وثانيهما حديث يتراوح بين الاحترام والتساوي في علاقة الرجل بالمرأة، وأحياناً الاضطهاد المتبادل، وأحياناً تفوّق المرأة على الرجل".
فعاد إلى الشعوب القديمة، وأوضح كيف نظرت إلى المرأة من زاوية الجنس. فأوضح أن الصينيين، كمثال، اعتبروا الجنس جزءاً لا يتجزأ من الكون. فقد كانوا يعتبرون الإنسان صورة مصغرة عن الكون، وعليه فإن الاتحاد الجنسي بين الذكر والأنثى ما هو إلا تكرار للتفاعل بين السماء والأرض. وهذا ما ذكرته أسفارهم القديمة مثل "آي تشينغ" منذ عهد سلالة "تشو" التي حكمت الصين ما بين (1150ـ 249 ق. م)، وشكلت الأنثى عندهم عبئاً على أبيها؛ لأسباب عديدة أهمها عدم استطاعتها القيام بأعباء الذكر. لكن وإن ظهرت العلاقات المحرمة عند الصينيين، إلا أنهم حافظوا على واجبهم المقدس، وهو إخصاب الزوجة التي يرغب الرجل بإنجاب الأطفال منها.
وأوضح أن الصينيين القدماء آمنوا بتعدد الزوجات. ففي وقت نرى أن للملك عددا من الزوجات وبرقم خيالي، نرى الفقير يكتفي بزوجتين أو ثلاث. فقد عرف عن الملك أن له زوجة تسمى الملكة وهي الزوجة الأولى، وثلاث زوجات شريكات، وتسع زوجات من الطبقة الثانية، ولا زوجة له من الطبقة الثالثة، و81 خليلة، كل هذا لأن الملك صاحب سلطة.
ويتابع الباحث أنه عُرف عن الزوجات الصينيات اللاتي يرغبن أن يحتفظن بأزواجهن داخل بيوتهن، أن يطلبن إليهم أن يتزوجوا اللاتي يؤثرونهن بالعناية وبالصلات الجنسية، وأن يأتوا بهن إلى منازلهن ويتخذونهن زوجات من الدرجة الثانية. وقد ورد عن زوجة الإمبراطور "جوانح تشو" أنها قالت "لم أكف قط عن إرسال الرسل إلى المدن المجاورة للبحث عن النساء الجميلات لأجعلهن خليلات لمولاي.
وورد عن بعض ملوك الصين أن في قصره ما لا يقل عن ألف امرأة، كلهن عليهن الاهتمام بملذاتهن الجنسية أو بملذات غيرهن من النساء..! فإن المرأة عندهم إذا لم تمارس الجماع مع الرجل أو لم تشبع غريزتها، فإن مآلها ممارسة الجماع مع الشياطين! وتشير بعض الرسومات القديمة إلى أدوات تساعد المرأة على إشباع رغبتها، هذه الأمور أدت إلى قبول السحاق النسائي الذي كثر في الصين، وقد ورد أنه في العرف الصيني تؤخذ الراهبة التاوية والعازبة البوذية على أنهما سحاقيتان إن لم تكونا مومسيْن.
ثم عرّج إلى العرب القدماء، وبيّن كيف نظروا إلى هذه الموضوعة المهمة: موضوعة الجنس، فرأى أنهم اتخذوا مداخل شتى إلى الكتابة الجنسية. فمنهم من دخل إليها من باب الطرائف والفكاهات على نحو ما نجده في الكتب الأدبية العامة مثل كتاب "العقد الفريد" لابن عبد ربه الأندلسي، و"الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، و"البصائر والذخائر" لأبي حيان التوحيدي، و"نهاية الأرب" للنويري... ومنهم من عالجها من خلال التراث اللغوي مثل المخصص لابن سيده، ولسان العرب لابن منظور... ومنهم من سلك إليها سبيل الطب؛ فوضح علاقة الجنس بالصحة مثل كتابات الرازي وابن سينا... كما ثمة من تناولها برفق شديد من خلال حديثهم عن الحب العذري كابن داوود في الزهرة، وابن حزم في طوق الحمامة، والسرّاج في مصارع العشاق، وابن القيم في روضة المحبين..
ويذكر الباحث أنه وجدت كتب عُنيت بتمحيص الجدلية الكائنة بين الجنس والشريعة، أي تنظيم الشرع للعملية الجنسية، مثل كتاب أحكام النساء لابن الجوزي، وأدب النساء لابن حبيب الأندلسي، وتحفة العروس للتيجاني، كذلك كتب التفسير التي تعرضت للمسألة الجنسية بأنحائها المختلفة، خاصة عند تفسير الآية "نساؤكم حرث لكم" وغيرها من الآيات التي تتعلق بهذه المسألة.
ويؤكد الباحث أن هناك فرقاً شاسعاً بين الجنس عند العرب في الجاهلية وفي الإسلام، حيث إن حياة عرب الجاهلية كانت حياة جافة قاسية بدائية، تقوم على الغزو والقتل وسبي النساء، مما أدى إلى حروب طويلة بين القبائل. وذكر أن المهر كان عندهم ثمناً يقبضه أبو البنت أو وليها، وعدّد أنواعاً من الزواج عرفها عرب الجاهلية، مثل "نكاح الاستبضاع"، وهو أن يأمر الرجل زوجته إذا طهرت أن تتبضع من رجل آخر رغبة في نجابة الولد، و"نكاح الرهط" وهو أن يأتي ما دون العشرة لا مرأة واحدة فيواقعونها وتلحق الولد بمن أحبت منهم، كما عرف "نكاح الشغار"، ونكاح ذوات الرايات "البغايا"، و"نكاح المقت" وهو الذي يواقع زوجة أبيه، كما عرف "نكاح البدل"، و"نكاح المخادنة"..
كل ذلك أدى إلى اختلاط الأنساب ووأد البنات، وجاء الإسلام فمنع كل هذا خصوصا نكاح الزنا، والمحارم، واللواط، والسحاق، وإيتاء البهائم، ولا يفهم من هذا العرض أن كل عرب الجاهلية كانوا قائمين على هذا الشذوذ. وذلك كما نُقل عنه من قبل أحد الباحثين الذين ناقشوا الكتاب باستفاضة.
يرى المؤلف أنه ليس في القرآن خط فكري يفضل الرجل على المرأة في المسؤولية وفي نتائجها، بل إن مسألة التفضيل تعود إلى قاعدة شاملة لهما، تتلخص في الآية: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اللـه أتقاكم إن اللـه عليم خبير).
لا شك أن الباحث اعتبر النظرة المثلى لموضوعة الجنس عند المرأة، هي نظرة الإسلام، وقد أفاض في عرض الآيات القرآنية التي توضح هذا الأمر، وتسهم في تنظيم الأسرة، وفي ضبط العلاقة الجنسية بين المرأة والرجل، وحصرها في استمرار النسل لا في المتعة المتبادلة.
وفي كل الحالات، يعتبر هذا الكتاب بحثاً شاملاً في الجنس والمرأة، وفي ثقافات الشعوب، ومنطلقات الأديان في موضوع حيوي، هو الجنس.

الكتاب: الجنس والمرأة عبر العصور.
الكاتب: د. عبد اللطيف ياسين قصاب.
الناشر: خاص- دمشق، 2009.

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار