مشروع الوزير تاو
كانت الصين عقب انهيار أسرة تانغ قد دخلت في فترة الاضطرابات الاجتماعية الكبرى، حين كان الحُكام وكذلك الأسر الحاكمة يتغيرون بسرعة، ولكن في هذه الفترة بالذات، الحافلة بالاضطرابات الاجتماعية، برز الوزيرالنشيط فنك تاو (932 ـ 953م) الذي قرر إصدار طبعة نقدية لمؤلفات بواسطة الكُتّاب الكلاسيكيين التسعة. وهكذا بدأت الصين أهم فترة في تطوير الطباعة بواسطة القوالب الخشبية، وقد ذاع صيت الوزير فنك تاو بسبب هذا المشروع الكبير الى حدّ أنّ التواريخ القديمة ربطت اختراع الطباعة باسمه. أما السبب الذي دفع الوزير فنك تاو لتبني هذا المشروع الثقافيّ والمعرفيّ في تاريخ الصين، فيرجح المؤرخون إلى وجود ملاحظة تعود إلى سنة 932م. إذ كان هذا الوزير، كغيره من الكثيرين الذين سبقوه، قلقاً لأنّ نصوص الكلاسيكيين المنسوخة باليدّ كانت تنتقل في البلاد في روايات مختلفة، دون أن تكون بينها أية رواية صحيحة، وحين شاهد الوزير الكتب المطبوعة بواسطة القوالب الخشبية أمر على الفور أن تُنجز طبقة مُحققة لنصوص الكلاسيكيين التسعة. ولأجل هذا فقد شكل الوزير تسع لجان من أفضل الخبراء الموجودين في الأكاديمية القومية ''كو ـ تزوتشين''، الذين عملوا 21 سنة لإنجاز هذه الطبعة المُحققة. وبالإضافة إلى هذا فقد أمر الوزير بتجنيد أفضل الخطاطين والفنانين لإعداد الألواح الخشبية اللازمة للطباعة، كما عيّن على رأس هذا المشروع ''تين مين''، مدير الأكاديمية القومية الذي تولى سنة 953م إعلام الإمبراطور بإنجاز الطبعة المُحققة لنصوص الكلاسيكيين التسعة التي احتوت على شروح مناسبة وطبعت في 130 صفحة. كان لمشروع الوزير الصيني الثقافي هذا أهمية كبيرة بالنسبة إلى تطور الطباعة الصينية، ولذا يُقارن المؤرخون والخبراء هذا الاختراع المعرفي من ناحية الاختراع باختراع ''جونتنبرغ'' بالنسبة إلى طباعة الكتب في أوروبا، إلاّ أنّ الفرق بين الاثنين كان كبيراً بالنسبة للفارق الزمني بينهما. كتب في الشوارعنتيجة لازدهار الطباعة والتأليف عند الصينيين في ذلك الوقت، فقد تطورت لديهم شبكة منظمة لتوزيع الكتاب في أرجاء البلاد الواسعة. وهكذا كانت كتبهم تباع في المكتبات وفي الشوارع والساحات العامة. ومن هذه الفترة فقد أرّخ المؤرخون الصينيون لأقدم لوحة معروفة في العالم تمثل إحدى المكتبات وقد رُسمت هذه اللوحة في لفافة، الاحتفال الربيعي على ضفاف النهر، حوالى العام 1100م. وهي تمثل مكتبة ''كايفن'' عاصمة الإمبراطورية للصين آنذاك، كما أشار المؤرخون إلى وجود مكتبة عامة عامرة في المدن الصينية الأخرى خلال عهد أسرة سونغ.