٠١ مايو ٢٠١١

الصين تشق طريقاً للتحديث يختلف عن الغرب

تحتفل جامعة سينغواه، أبرز مؤسسات التعليم العالي في الصين هذه الأيام، بالذكرى المئوية لتأسيسها، فقد تم تأسيسها عام ‬1911 وسط إذلال قومي عارم، وتم تمويلها في البداية من منحة التعويض عن ثورة البوكسر، والتي كانت في جوهرها تعويضاً للصين عن الحرب دفعته الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين جسدت هذه الجامعة تجربة التحديث الصينية بالنسبة لقرن كامل، وارتبط مصيرها بصورة وثيقة بمصير الأمة الصينية.

وهي تحتل مرتبة رفيعة في الوعي الجمعي الصيني، وقد بدأ الكثير من القادة والمثقفين والثوريين الصينيين سعيهم نحو التحرر الوطني من هذه الأراضي، التي تحفها الأشجار قرب أطلال القصر الصيفي العتيق الذي أحرقته القوات الأنغلوفرنسية التي قادها لورد إلجين. وقد تخرج منها الرئيس الصيني يوجين تاو، وافتتح أخيراً الاحتفالات بهذه المناسبة الحافلة بالمعاني السياسية والتاريخية.

لقد انقضت منذ زمن بعيد بالطبع الأيام التي كانت فيها الصين طريدة عاجزة للقوى العربية العظمى،، وبنظر إليها اليوم على أنها مرشحة في المستقبل لتولي قيادة العالم. وفيما يهز بروز الصين جوهر النظام الدولي كما نعرفه، فإن الذكرى المئوية لإنشاء جامعة سينغواه تتيح فرصة للتأمل.

ينظر الكثيرون إلى بروز الصين من خلال معايير سياسية واقتصادية وعسكرية، ولكن النهضة الصينية في جوهرها تحد أخلاقي وفكري للعالم الحديث، فعلى امتداد ‬300 عام تقريباً كانت الاستنارة الأوروبية المصدر الفكري والأخلاقي للتغيير بالنسبة للبشرية، إن لم يكن المصدر الشرعي.

غير أن موجة التغريب الهائلة جلبت معها كذلك جنباً إلى جنب مع مجد التحول الاقتصادي والتقني- جلبت الحيرة والنزوع إلى الهزيمة بل والكارثة إلى الحضارات غير الغربية، وكان نتاج التغيير والتحديث، الذي يتركز حول النزعة الفردية والحقوق والعلم، تجربة ثقافية غربية فريدة.

ومن المؤكد أن الحداثة لها أسلافها الفكريون الرائعون، وقد استهلت الأفلاطونية النزوع الغربي إلى متابعة الحقيقة المجردة منذ أيام الإغريق.

ووضع أول انقسام في المسيحية وانهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية قبل ‬1500 عام، الغرب على طريق فصل السلطات السياسية عن السلطة الدينية، وجعل تدعيم السلطة من جانب الأرستقراطية المستندة إلى ملكية الأرض، التي أضفت عليها الشرعية وثيقة الماغناكارتا ؟ جعل توازن القوى سمة فريدة داخل البنية السياسية والفلسفة الغربيتين.

وساهم انقسام المسحية الثاني المتمثل في حركة الإصلاح البروتستانتية دونما قصد في جعل الفرد صاحب السيادة والوحدة الأساسية للمجتمع، ووصلت كل هذه التطورات التاريخية والثقافية إلى ذروتها خلال عصر التنوير، وأوجدت الحداثة التي لا سبيل إلى إيقافها، وسهلت الحداثة تطور العلم والثورة الصناعية وقادت إلى أعظم تقدم للقوة المادية في تاريخ الإنسان، إلا وهو التحديث.

وقد جوبهت كل الحضارات غير الغربية، بما فيها الصين، بهذا التوسع السريع والمتوالي من الأمم- الدول الغربية التي استقوت بالتصنيع حاولت استيراد قيم الحداثة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لإعادة إبداع ثقافاتها الخاصة وتحقيق التحديث،، وعلى امتداد ما يزيد على قرن من الزمان أو أكثر، نظر إلى الحداثة باعتبارها الطريق الوحيد إلى التحديث، بل إن التجارب غير الليبرالية مثل الشيوعية السوفييتية كانت في جوهرها مشتقات من الحداثة، على الرغم من أنها كانت معيبة بصورة أساسية.

ومع انتشار الحداثة في أٍرجاء العالم فإن العالم النامي المقسم، العنيف، الضعيف، الذي تم إفقاره وإن كان غنياً بالموارد الطبيعية والبشرية، لم يكن إلا متلقياً للوصفات ذات توجه غربي خاصة بالتحديث، وعلى امتداد سنوات عديدة وفي العديد من البلاد، فإن الهيمنة الأيديولوجية للحداثة لم تلق تحديا، ولم توضع موضع التساؤل النتائج المرجوة للتحديث من خلال الحداثة.



ثم جاءت الصين...

في العام نفسه الذي تم خلاله تأسيس جامعة سينغواه، أطلقت ثورة زينهاي محاولة الصين لاستيراد الحداثة وتنميتها في تربتها العتيقة وكدح جيلان من الصينيين، وسفك دم أبنائهما، لا لشيء إلا لرؤية بلادهم وقد سقطت على نحو أكبر في هوة الضعف القومي والحروب الأهلية والأجنبية والمعاناة الشديدة التي تعرض لها الشعب الصيني. وفي عام ‬1949 اختارت الأمة الصينية طريقا مختلفة حيث استولى الحزب الشيوعي الصيني على السلطة بالعنف، وواصل تدعيم ومركز السلطة السياسية الوطنية بطريقة تتواءم مع التقاليد الإمبراطورية للصين نفسها.

وفي ظل حكمه المطلق الذي جوبه بالمقاطعات من العلم بأسره تقريبا، دفعت الأمة الصينية ثمناً هائلاً في صورة المجاعة والاحتراب المدني، غير أنها حققت على الأقل استقلالا وطنيا لدولة ذات سيادة، في إطار النظام الدولي المستقر. وبعد ‬30 عاماً من تأسيس جمهورية الصين الشعبية بدأت الصين في عام ‬1979 مرحلتها الحالية من النمو، وفي ‬32 عاماً فحسب أصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وعلى أرضها العتيقة ينطلق أسرع قطار في العالم، وأسرع جهاز كمبيوتر في العالم.

بالنسبة لمن يريدون إضفاء معنى على تحول الصين الثوري في العقود الثلاثة الأخيرة فإن فهم قصة الصين على الوجه الصحيح ليس بالأمر السهل، وعلى الرغم من أن بروز الصين ليس أمراً مسلماً به بعد، فإن نجاحها اليوم لا مجال للتشكيك فيه، والنموذج الصيني أكبر من أن يتم تجاهله وعندما ندرك كيف يختلف التحديث الصيني بصورة أساسية عن التحديث في الغرب، فإن ذلك يمكن أن يقدم الدليل الذي تمس الحاجة إليه على أن الحداثة لم تعد الطريق الوحيد إلى التحديث. إذا لم تكن الحداثة فما هي إذا قصة الصين؟ لا أحد في الوقت الحالي لديه الرد على هذا السؤال، ولكن بالنسبة لمن يتابعون نموذج الصين فإن الوقت الحالي ملائم لعملية الفهم المعقدة هذه.

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار