23 طالباً وطالبة تقل أعمارهم جميعاً عن ثلاثة عشر عاماً، انطلقوا برفقة ثمانية عشر مشرفاً في ديسمبر الماضي (2010) نحو "هدف الفوز" في دولةٍ تعتبر من ضمن أكثر الدّول الإسلامية تقدّماً وازدهاراً علمياً، يحثّون الخطى.. وتمتزج في قلوبهم مشاعر "الخوف والتوتر والفرح والأمل والثقة.. الثقة بأن "الإبداع" لا يولد إلا من رحم المأساة..
أربعة أيام قضاها أطفال غزّة معلّقين بين السماء والأرض، حتى وصلوا.. نعم، وصلوا في يوم المسابقة ذاته، فلم يكن بوسعهم سوى "قبول التحدّي" رغم التعب والإرهاق الذي ألمّ بمعظمهم جرّاء تلك الرحلة الطويلة.. وكانت المفاجأة..
في سابقة تعد الأولى من نوعها في تاريخ فلسطين, حصد ثلاثة من قطاع غزة مراتب مشرفة بين العشرة الأوائل في المسابقة، وتفوقوا على 1500 طالب من مختلف أنحاء المعمورة..
الطفلة ميار الطائي (13عاما) حازت بجدارة المركز الرابع، فيما حصل طفلان آخران على المركز العاشر المكرر.. فرفعوا اسم "فلسطين" عالياً، وأكّدوا ما آمنوا به طويلاً.. "الإبداع لا يولد إلا من رحم المأساة"..
"فلسطين" التقت بالطفلين الحاصلين على المركز العاشر "إيمان إسماعيل وجاسر الكتناني"، وكلاهما بعمر ثمانية، لينقلا لك عزيزي القارئ تفاصيل تلك الرّحلة.. نحو "مجد القطاع".. التقرير التالي يحمل التفاصيل:
رفعت رأس أبيها..
الطفلة إيمان خانتها العبرات كلّما تذكرت لحظات الفوز "المجيدة"، وقالت :"رقص قلبي فرحاً حينما سمعتهم ينادون اسمي على الرغم من أنني ظننت بعد انتهائهم من مناداة التاسع بأن الفوز تسرّب من بين أصابعي.. لكن الحمد لله، لقد اجتهدت ووجدت لقاءً مميزاً".
وتصف الطالبة في الصف الثالث الابتدائي لحظات وصولها إلى بيتها بعد الفوز :"حيث استقبلني أهلي جميعهم بالفرح والتبريكات, وأعدوا لي حفلاً في البيت ابتهاجاً بحصولي على المركز العاشر، ودعوا إليه كلّ الأحبّة"، مستذكرةً لحظات "الرعب" أثناء المسابقة بالقول :"الخوف والارتباك جعلاني أظنّ أنني لن أفوز أبداً، كانت أعصابي مشدودة ومتوترة كوني وللمرة الأولى أدخل مسابقة عالمية كهذه.. ووجود عدد كبير من الأطفال داخل القاعة، أدخل إلى قلبي الرعب والريبة".
وصلت الطفلة إيمان برفقة زملائها والمشرفين "ماليزيا" ليلة المسابقة، وكان النعاس غالباً حتى أثناء المسابقة "حتى أن بعض المشاركين من القطاع ناموا فوق طاولة المسابقة لفترةٍ وجيزة.. وكنت أنا واحدة منهم"، تضحك بقوة، وتكمل :"رحلتنا استمرت أربعة أيام، وانتقلنا إلى عدة دول حتى وصلنا.. كانت الأسئلة جميعها سهلةً بالنسبة لي، لكن الوقت الممنوح للإجابة كان قليلاً، فكان يجب حل الأسئلة بأقل من ثماني دقائق.. وما بالكم وقد حللنا ونحن نائمون؟!".
وتعتزم إيمان الاستمرار في برنامج "حساب الذكاء العقلي" حتى تنجز مستوياته العشرة المقررة، فهو –تبعاً لقولها- استطاع رفع مستواها العلمي، وكان سبباً في أن تكون دوماً من ضمن الأوائل في مدرستها "فأنا الثانية على الفصل في الصف الثالث الابتدائي".
بدوره, عبر والدها إياد إسماعيل عن فرحته لدى سماعه نبأ فوز ابنته قائلاً: "لا أستطيع أن أصف مشاعري في تلك اللحظات، الفرحة عمّت أجزاء المنزل جميعاً، حتى الأقارب أتوا يهنئوننا بفوز ابنتي في المسابقة, ضاقت الدنيا على فرحتي وقتذاك، وتمنيت لو أنّ الدنيا هذه أكبر حتى تتسع لفرحٍ أكبر".
وواصل أبو يوسف (39عاما) حديثه لـ"فلسطين", :"لقد استلفت المبلغ المالي المطلوب لسفرها إلى ماليزيا, وذلك حتى لا أحرمها من المشاركة في مسابقة عالمية كهذه, فهي كانت متحمسة لها بشكل كبير"، حامداً الله الذي أكرمه بفوز ابنته "ولو أنني تمنّيت لها كثيراً المركز الأول.. فهر تستحق..".
يستدرك وقد ربّت على كتف طفلته الذكية :"لكن حصولها على المرتبة العاشرة من بين 1500 متسابق من شتى أنحاء العالم شيء ممتاز ورفع رأسي عالياً... وإن شاء الله ستعوّضها إيمان في السنوات المقبلة".
ثقة "مسبقة"
أما زميلها الآخر الحاصل على نفس المركز جاسر الكتناني (8 أعوام), فقد كان يتوقّع فوزه ببساطة –كما بدأ حديثه- "لأن الأسئلة سهلة للغاية"، وقال :"كنت على استعدادٍ تام لهذا اليوم, إلا أن ضيق الوقت وإرهاق السفر حال دون الوصول إلى المراتب المتقدمة"، معبّراً عن فرحته بعامّيةٍ عفوية :"أنا اليوم مبسوط على الآخر, صح انو ما كنت الأول ولكن نافست أولاد من مختلف أنحاء العالم وكنت من بين العشرة الأوائل على مستوى الدول المنافسة".
وأكمل :"والداي هما اللذان دفعا بي نحو التسجيل في المركز, كي أحسن من مستواي في الحساب، وبرنامج "حساب الذكاء العقلي" أفادني كثيرا في حياتي اليومية, فالآن اجمع واطرح وأحل مسائل الرياضيات بشكل سريع يفوق سرعة الآلة الحاسبة, وكذلك في أي عملية حسابية أخرى حتى لو كانت معقدة".
وقد قيل قديماً "قلب الأم دليلها".. غادة أبو جبة والدة الطفل الكتناني، توقعت –كابنها تماماً- أن يكون من بين العشرة الأوائل، قالت والسعادة تكسو مقلتيها :"لقد كنت متابعةً دائمة لمستواه التعليمي في المركز، وقد أكدت لي مدرساته أن مستواه متقدم للغاية، بل متفوق".
ونقلت أبو جبة صورةً حية له أثناء تدريسه في المنزل :"كنت إذا أردت أن أعرف ناتج بعض العمليات الحسابية الكبيرة ألجأ إلى استخدام الحاسبة.. ولكن جاسر كان دوماً يسبقني ويعطيني النتيجة قبل أن أتمّ كتابة أرقام العملية على الحاسبة".
لدى معرفتها بخبر فوزه، زادت ثقتها به وفرحتها له كثيراً، "كونه نافس أطفالاً من جنسيات أخرى وفاز عليهم، هذا إنجاز رفع رأسنا ورأس فلسطين عالياً بين دول العالم".
يشار إلى أن الطفلين إيمان وجاسر يستطيعان أن يحلا المسائل الحسابية بمجرد سماعها شفهيا وبسرعة غير معقولة.
تبيان دور الدماغ..
وعن برنامج"حساب الذكاء العقلي", قابلت "فلسطين" رامي فلفل المدرب الرئيس بالمركز, والمرافق لبعثة الطلبة إلى ماليزيا، قال :"إن البرنامج يهدف إلى تنمية الوظائف الدماغية خصوصاً لدى الطفل، والتي بدورها تؤدي إلى زيادة نمو الذكاء لديه".
وتابع :"المسابقة تعتمد على السرعة في إجراء العمليات الحسابية للأطفال, والفوز يتطلب الإجابة عن 240 سؤالاً في غضون ثماني دقائق".
وأردف :"أساس هذا البرنامج يقوم على تبيان دور الدماغ بشقيه الأيمن والأيسر عند الأطفال، وبما أن الجزء الأيمن من الدماغ يشكل المهارات الأساسية المتمثلة في التخيل، والألوان، ويتم التعامل من قبل الطفل مع المسألة الحسابية في الجزء الأيمن من خلال وضع المسألة بالدماغ على هيئة صورة، وتحويلها للجزء الأيسر ليخرج الناتج الحسابي بشكل سريع".
وأوضح أن فكرة البرنامج مأخوذة أصلاً من الأكاديمية الماليزية المعروفة باسم "Intelligen Mental-Arithmetic", ويتم تطبيقها في القطاع, وهو مرخص من نفس الأكاديمية".
وعن الآلية.. فيعتمد التدريب على مجسم بلاستيكي بداخله 17 صفًا وعمودًا، ملونة بالأصفر والأحمر لشد انتباه الأطفال, ومسطرة من المنتصف بشكل يفصل العمود العلوي عن العمودين السفليين، ويحتوي كل صف على خرزات ألوانها حمراء وصفراء، ويبدأ الطالب بالتعلم عليها تدريجيًا في عملية الحساب بشكل يدوي, يستخدم فيها كلتا اليدين, وصولاً لتنمية قدراته في إجراء عمليات من خمسة أرقام دون استخدام العداد بعد التدريب على حساب العمليات الطولية بالعداد".
ويضيف :"عمر العداد يرجع إلى قبل 4000 سنة قبل الميلاد, حيث استخدمه الصينيون قديماً في تعليم أبنائهم الحساب, ولكن تجارب أجرتها اليابان في الثمانينيات, أثبتت بان الأطفال الذين يجرون العمليات الحسابية وفق العداد الحسابي، سرعتهم في الإجابة على المسائل الحسابية, وذكاؤهم يكون أكبر من الأطفال العاديين, وبناء عليه وضعت الأسس التدريسية, والمناهج التعليمية, وعدد ساعات التدريب".