١٧ يوليو ٢٠١٠

أباطرة الصين الصغار يطالبون باستحقاقاتهم



يمكن أن تكون صورة شباب الصين سيئة في الصحافة. ففي معظم الحالات يوصفون بأنهم "الأباطرة الصغار" المنتمون إلى "جيل أنا"، والسلالة المدللة لأسر الطفل الواحد، والمهتمون بالسيارات السريعة، وألعاب الفيديو، وبضائع المصممين، مع اهتمام قليل بغير ذلك. وأمام متجر لويس فيتون الرئيسي في شنغهاي يصطف هؤلاء في نهاية الأسبوع ـ وتنتظر الشابات بصبر في الصف الذي تحدد مساره الحبال، كما لو أنهن يحاولن الدخول إلى نادي LA الجديد.

مع ذلك، بدأ جيل أنا بإظهار أسنانه. عدم الرضا المهتاج بخصوص الارتفاع الشديد في أسعار المنازل والموجة الأخيرة من الإضرابات في مصانع السيارات، وغيرها من المصانع، يكشفان عن توقعات متزايدة، ومحبطة في بعض الأحيان، لدى الشباب في الصين الذين يريدون من حياتهم أكثر مما أمكن لآبائهم أن يحلموا به. إنها ظاهرة يمكن أن تسفر عن جميع أنواع العواقب لمستقبل الصين.

وهناك كثير من التفسيرات الجيدة لإضرابات الشهرين الماضيين، منها المعاشات المتدنية وتحول ديمغرافي يقلص عدد الشباب المنضمين إلى القوى العاملة. غير أن هناك أيضاً تحولاً بين الأجيال يأخذ مجراه. وغالباً ما يتحدث الصينيون عن قدراتهم على "التهام المرارة"، الأمر الذي يفسر مرونتهم وسط فوضى وحرمان القرن الماضي. لكن الجيل الذي ولد في الثمانينيات والتسعينيات ترعرع وسط رخاء أوسع حتى في الأجزاء الفقيرة من الريف الصيني.

قبل 20 عاما كان الهدف الرئيسي لكثير من العمال المهاجرين إلى مصانع المدن هو تحويل الأموال إلى أسرهم التي تصارع من أجل الحياة في الأرياف. والآن يرون أن المصنع جزء من مشروع شخصي وخطوة أولى نحو الحياة في المدينة. وجعل انتشار الإنترنت الشباب في الصين أكثر عالمية، وأصبح لديهم شعور أقوى بحقوقهم منذ صدور قانون العمل في 2008.

الاقتصادي أندي كساي الذي يكتب في مجلة Gaixin، وصف شكاوى العمال التي شاهدها في المصانع الصينية الكبرى قبل عقد مضى. وكانت غالبية العمال مكونة من فتيات في سن 18 ويتم تقييمهن من جانب رؤساء عملهن من منطلق "أنا ملهن الرشيقة". ولم يكن يسمح لهن بالتردد على دورات المياه إلا قليلاً، وكان عليهن أن يلتزمن بالجلوس على مقاعد العمل أثناء الاستراحات. وعلى النقيض من ذلك، الإضرابات الحديثة تكشف عن قوة عاملة أقل رغبة في "التهام المرارة". ويقول كساي: "يضاف إلى ذلك أن الراشدين من الشباب وآباءهم يمكن أن يكونوا من قرون مختلفة. إنهم يريدون الاستقرار في المدن الكبرى والحصول على أعمال ممتعة تدر عليهم دخلاً جيداً – تماماً كنظرائهم في البلدان الأخرى".

وكانت قوى فروق الأجيال ذاتها وراء عدم الرضا بخصوص تكلفة امتلاك المنازل، الأمر الذي جعل بكين تعمل على انكماش هذه السوق والمخاطرة بحدوث تباطؤ اقتصادي. ولم تكن هناك مظاهرات احتجاجية كبرى بخصوص أسعار العقارات، لكن التوترات فعلية بما فيه الكفاية – لقد وصف أحد مستشاري البنك المركزي خلال الفترة الأخيرة مشكلة الإسكان في الصين بأنها أسوأ حتى من الحالة الأمريكية قبل الأزمة. ويعود ذلك على وجه الخصوص إلى أنها مزجت بين عناصر الفقاعة والضغوط السياسية.
وبالنسبة إلى عشرات الملايين من الخريجين الصينيين الشباب يعتبر شراء شقة جزءا رئيسياً من خططهم لعيش حياة حديثة ضمن الطبقة الوسطى. ويشعر الرجال الصينيون من الشباب بالضغط الاجتماعي أكثر من غيرهم. وحين أخبرني أحدهم للمرة الأولى بأن فرصته في الزواج ستدمر إذا لم يستطع شراء شقة، ظننت أنه كان يمزح. غير أن تلك عبارة متكررة يسمعها المرء على الدوام. ويمكن أن تكون الحموات الصينيات المنتظرات مجموعة لا تغفر.

إن الشباب هم الأشد تأثراً بالأسعار المتصاعدة. وإذا كان آباؤهم من سكان المدن، فمن المحتمل أن يكونوا قد حصلوا على شقة من الحكومة خلال الإصلاحات الإسكانية في أواخر التسعينيات، الأمر الذي يمنحهم موطئ قدم في سوق العقارات. غير أن كثيراً من الصينيين يشعرون الآن بعدم قدرتهم على دفع الأسعار المطلوبة. وفي بكين وغيرها من المدن آلاف الخريجين ممن تصفهم وسائل الإعلام الصينية بأنهم "قبائل النمل"، وهم الشباب الخريجون الذين يعيشون في مساكن سيئة في ضواحي المدن، بينما يحاولون ممارسة العمل للمرة الأولى.

من أفضل برامج التلفزيون الصيني الحديثة مسلسل موجه إلى ربات البيوت يحمل اسم ووجو، وتعني بيت القواقع. وهو عبارة عن تعليق اجتماعي لاذع حول سياسات العقارات. وتظهر فيه شابة ينتهي بها الأمر إلى أن تصبح عشيقة لمسؤول حكومي كي تدفع قسط رهن شقة شقيقتها. ورأى فيه كثير من المشاهدين نوعاً من خيبة الأمل في المدن الصينية.

ولا يعتبر أي من هذه الأمور نذيرا بحدوث ثورة وشيكة، أو احتجاجات شبابية شاملة للمطالبة بالإصلاح السياسي. فقد نجح الحزب الشيوعي الصيني خلال العقدين الماضيين في تطويق توقعات هلاكه الوشيك. وتميل وجهات نظر الشباب الصينيين المهنيين إلى القبول بالوضع القائم، وأفكارهم إزاء النخبة الصينية لم تلوثها تجربة الثورة الثقافية أو مجزرة الطلاب المحتجين عام 1989.

وفي المناسبات الأخيرة التي عبر فيها الشباب الصينيون عن وجهات نظر سياسية قوية كان التعصب الوطني هو النغمة المهيمنة. وخلال تظاهرات واحتجاجات عام 2008 في التيبت والاحتجاجات الأوروبية على مسيرة الشعلة الأولمبية، صب كثير من الشباب الصينيين جام غضبهم على مواقف بعض السياسيين الغربيين وعلى وسائل الإعلام الغربية. وإذا كانوا منتقدين لمواقف بكين، فإن ذلك لا يعود إلى تشددها في مواجهة الغرب.

مع ذلك، ليس من التناقض أن يكون الشباب أكثر وطنية وفي الوقت ذاته أكثر مطالبة وفردية. لقد أطلق التحديث قوى شديدة التأثير – فخر وثقة بالإنجازات الصينية، لكن مع توقعات عالية بخصوص الحياة التي يمكن للمرء أن يعيشها. إن علامات التململ بين الشباب في الصين تنبئ بمستقبل سياسي أقل قابلية للتنبؤ به.

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار