
ولا يعرف حتى الآن ما اذا كان قرار البنك المركزي الصيني يجعل سعر اليوان اكثر مرونة بدل رفعه، وبالتالي انهاء ربط سعر اليوان بالدولار لحماية الاقتصاد الصيني، بحيث تأمل بكين ألا يؤدي انخفاض الدولار الى خسارتها وارتفاعه الى خسارتها ايضا، لأنه في حالة الربط يظل الاميركيون وغيرهم قادرين على شراء البضائع الصينية بالسعر نفسه تقريبا أياً كان وضع الاقتصاد الاميركي سواء في حالة الصعود والازدهار ام حالة الهبوط والأزمة.
تصحيح السعر
وقد اشتكت واشنطن من هذا الوضع المستمر منذ 2008 وحتى الآن، والذي يعطي البضائع الصينية ميزة تفاضلية كبيرة، خصوصا ان تقديرات اقتصادية تعتبر ان اليوان مقوّم بأقل من قيمته الحقيقية ما بين 25 و40 في المائة، مما جعل الاقتصاد الاميركي يفقد أكثر من مليون وظيفة انتقلت الى خارج الولايات المتحدة بسبب المنافسة التي تخلقها البضائع الصينية لمصلحتها، وقد هدد الكونغرس برفع الضرائب على البضائع الصينية بنسبة 27.5 في المائة لتحييد الضرر على الاقتصاد الاميركي خصوصا بعدما ثبتت بكين سعر اليوان منذ 2008 عند 6.83 يوان مقابل كل دولار.
رأيان في الخطوة
وقد انقسم الخبراء الغربيون في تقييم خلفيات القرار الصيني الجديد، ومازالوا يدعون لانتظار تفاصيل الخطوة الصينية وتأثيراتها الفعلية على الاسواق، ومع ذلك فهناك من يعتبر ان الصين ارادت بخطواتها سحب هذا الموضوع من جدول اعمال قمة العشرين التي ستعقد في تورنتو الكندية يومي 26 و27 الجاري، مع ان القمة ــ على الارجح ــ ستقيم الخطوة الصينية وستسجل ملاحظاتها عليها، وتصدر موقفا علنيا تجاهها لا يستبعد ان يكون ايجابيا بعد ان رحب الرئيس اوباما مبدئيا بالخطوة، مشددا على ضرورة استكمالها في مسيرة اصلاح سعر الصرف لجعل اليوان اكثر مرونة مع متطلبات السوق
في المقابل حذر بعض الاقتصاديين الأوروبيين مسبقا من ان تمنيات خفض سعر اليوان قد لا تجد طريقها للتطبيق على أرض الواقع، خصوصا إذا استمر اليورو بالانخفاض، لأن ذلك سيدفع اليوان بدوره إلى الانخفاض تجاه الدولار، وهو ما ستكون له مفاعيل عكسية على الاقتصاد الأميركي.
ارتفاع متواضع
كما توقع أحد هؤلاء ان ينحصر ارتفاع اليوان ما بين %1 و%4 بين شهر وثلاثة أشهر من الآن، وهو ارتفاع متواضع وفق المطالب الاميركية لأن الجميع يسترجع التجربة الصينية المماثلة السابقة بين 2005 و2008 حين سمحت بكين لليوان بأن يستعيد %21 من قيمته السابقة، ثم اوقفت الصين الارتفاع عند 6.83 يوان للدولار.
ويتجاهل هؤلاء حجم التداخل بين الاقتصادين الاميركي والصيني، حيث ان الصين اشترت بفوائضها المالية، وتحديدا ما يقارب تريليون دولار (ألف مليار) سندات خزينة اميركية، وبالتالي اعادت تمويل العجز الاميركي، سامحة للاميركيين بالاستمرار في سلوكهم الاستهلاكي، وبالتالي أمنت شراء المزيد من البضائع الصينية، فيما تبقى لها في ذمة الادارة الاميركية ثمن هذه السندات الحكومية المضمونة ولو بفائدة قليلة تتراوح بين %1 و%3 في احسن الأحوال.
والجدير بالذكر ان الاحتياطي الصيني من العملات بلغ عام 2009 ما قيمته 2240 مليار دولار. وقد صرفت الصين في الازمة المالية ما يقارب الـ 800 مليار دولار على البنية التحتية الداخلية، بالاضافة الى استثمارات في الصناعة والزراعة والبناء الى درجة تحدث البعض عن فقاعة بيوت وشقق على غرار ما حدث في الولايات المتحدة مع ان الحكومة الصينية عملت على تخفيف اعتمادها على اقتصاد التصدير الذي يتأثر بكل انواع الازمات في الخارج، وبالتالي استهدفت بكين الاعتماد على الاستهلاك الداخلي بعد رفع مستوى معيشة المواطنين الصينيين وتطوير الريف، الذي ظل بعيدا - وبمسافة طويلة - عن ازدهار موانئ ومدن الساحل الشرقي وبعض مناطق الوسط.
سياسة مزدوجة
ومع ذلك، تخشى الصين هذا التداخل الهائل بين الاقتصادين الاميركي والصيني، بحيث يصبح مصيرها مرتبطا بتقلبات الاقتصاد الاميركي الذي لم ينهض بعد من ازمته الطويلة، لذلك تسير الصين في استراتيجية مزدوجة في الخارج واخرى مزدوجة في الداخل لكي تعطي نفسها مجموعة ضمانات ما زالت تفتقدها حتى الآن.
استراتيجيتان مزدوجتان
فعلى الصعيد الخارجي تدفع الادارة الصينية باتجاه نظام نقدي عالمي جديد بواسطة منظمات اقتصادية عالمية خصوصاً صندوق النقد الدولي، بعد ان غاب هذا النظام منذ اسقاط اتفاقية برايتون وودز عام 1976 على يد الرئيس الاميركي ريتشارد نيكسون الذي فك ارتباط الدولار بالذهب آنذاك.. وفي الشق الثاني من هذه الاستراتيجية تسعى بكين ان يكون اليوان عملة صعبة عالمية على غرار الدولار واليورو والين.
توازن الصادرات والاستهلاك
أما على صعيد الاستراتيجية الداخلية، فتسعى بكين للاستمرار في اقتصاد الصادرات لانه وحده قادر على تأمين وظائف لعشرات الملايين من اليد العاملة التي تهجر الريف الى المدن المزدهرة. وفي الوقت نفسه تعمل بكين على «تكبير» سوق الاستهلاك الداخلي، لان كل الدول التي تملك اسواقا مماثلة - الهند مثال على ذلك - كانت الدول الاقل تأثرا بالازمة المالية العالمية. لقد شكلت الأزمة المالية الراهنة اختبارا حقيقيا لقدرة القيادة الصينية على التعاطي الموضوعي مع الأزمة، ومع علاقتها الأميركية تحديدا، وتخطت كل {الالغام} الكبيرة على هذا الصعيد فساعدت الاقتصاد الاميركي من دون ان تقع في {ثنائية} تحملها اعباء ليست بحاجة اليها. فهي ليست مستعجلة لبناء زعامة عالمية مكلفة. لا بل هي تريدها باقل من الاثمان التي تطلبها واشنطن.