لم يكن القادة الصينيون الحاليون، من الرئيس (هوجين تاو) ونائبه (تشي جين بينغ) هم من بدأ الطفرة، فرجل الإصلاح الصيني الحقيقي هو ذلك التحديثي القصير القامة (دنغ هسياو بينغ) حيث يرتفع فوق قمة جبل مدينة تشينجن الفريدة في جنوب الصين تمثاله المطل صوب بحر الصين وعلى بعد أقل من ثلاثة أميال من جزيرة هونغ كونغ، والذي أدام حكم النظام الحزب الشيوعي وعلمه الأحمر الذي يزين الساحات الصينية.
ومع ذلك، أصبحت الصين في ظله العملاق الاقتصادي الثاني في العالم (بعد الولايات المتحدة) واستطاعت إسقاط النظرية القائلة أن التقدم الاقتصادي لا يتحقق إلا في ظل نظام رأسمالي.
لتصبح الصين «دولة غير شيوعية يحكمها حزب شيوعي»، دولة يُحسب لها حساب اليوم في أي قرار دولي، دولة لا تسعى إلى ممارسة نفوذها الإقليمي بالوسائل البائدة، بل بالحوار والتبادل التجاري والعلاقات الاقتصادية، لتصبح اللاعب الأساسي في حل الأزمة النووية مع كوريا الشمالية على سبيل المثال، وليصبح صوتها هو الأعلى بين الأصوات الداعية إلى استبعاد العقوبات كوسيلة لحل مسألة الملف النووي الإيراني.
تشير تقديرات فلاسفة الاقتصاد في العالم بأن الاقتصاد الصيني سيصبح اكبر اقتصاد في العالم قبل منتصف هذا القرن، بل إن البعض توقع حدوث ذلك عند نحو 2035 إذا استمرت معدلات النمو الحالية للاقتصاد الصيني على حالها، متبوعة بسياسات رشيدة على المستوى الاقتصادي المتبع في إطار العلاقات المتبادلة مع دول العالم، ومترافقة مع تنمية عوامل الاستثمار الصيني في الخارج، والاستثمار الخارجي في الصين، بعد أن كان محظوراً لعقود خلت.
ومتناغمة مع سياسة رشيدة تضع أمامها ضرورة تحقيق قفزات نوعية وبشكل سنوي في هذا المضمار، متناغمة مع سياسة خارجية صينية تقوم على الاعتدال وتجنب الصدام «المباشر» مع القوى المقررة في الشأن الدولي.
فالعملاق الصيني يسير بجموح وطموح عالي لاحتلال الموقع الثاني في اقتصاديات العالم وفي تحدي واضح للهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة. فقد حققت جمهورية الصين ووفقً لمعلومات مستقاة من مصادر صينية قفزات اقتصادية خلال الأعوام القليلة السابقة، إذ أنها ومنذ عام 1978، بدأ إنتاجها الاقتصادي بالنمو بمعدل (4,9) ليتضاعف الناتج الكلي للفرد فيها بنسبة خمسة أضعاف. كما أن لديها (61) بليون دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر حسب إحصاءات عام 2004.
وقد بلغت تجارتها الخارجية نحو (851) بليون دولار لتصبح ثالث أكبر دولة في العالم من ناحية التجارة الخارجية. وأمام قوتها في التجارة الخارجية، بلغ العجز التجاري الأمريكي مع الصين عام 2005 أكثر من (200) بليون دولار.
إن الفورة الاقتصادية الصينية لم يكن ممكناً لها أن ترى النور بسهولة بعد عقود من الانغلاق الذي عاشته الصين الشعبية في ظل أزماتها المتعلقة بالصين الوطنية (تايوان) والحرب الكورية عام 1955 وأزمات الهند الصينية مع وجود الاحتلالين الفرنسي والأمريكي لبلدان تلك المنطقة.
وبعد حصار دولي هائل مورس بحقها إبان اشتداد صراع الأقطاب والحرب الباردة، التي ترافقت مع صراع (صيني/روسي) بين رفاق الأيديولوجيا اتخذ عناوين الخلاف في الاشتقاق الأيديولوجي لأبناء المدرسة الماركسية اللينينية. فقد نجحت الولادة القيصرية بدرجة عالية، بعد أن بدأت بكين إتباع سياسات الانفتاح المدروس، وكسر القوالب الأيديولوجية الجامدة التي طالما ميزت سياسات الانغلاق التي اتبعت في الصين عقود ما بعد الاستقلال عام 1949.
وبعد التخفيف المدروس من الدوغمائية العقائدية(الجمود الأيديولوجي) لصالح مرونة عالية في صياغة العلاقات الخارجية للصين في جانبيها السياسي والاقتصادي، وانتهاج سياسة شديدة الاعتدال على المستوى الدولي خصوصاً بالنسبة لمناطق الأزمات في العالم، هذا من جانب ومن جانب أخر فان الإصلاحات اليومية الجارية في الصين لعبت دوراً هاماً في الفورة الاقتصادية.
فهي إصلاحات أخذت بعين الاعتبار رفع مستوى الأداء الاقتصادي والتخلص من المعيقات الإدارية البيروقراطية، وتسخير القانون وأنظمة الاقتصاد وتطويرها بشكل عملي في خدمة الاقتصاد، وتنمية الاستثمار والتصدير، الذي فاق ما ضخته الصين الشعبية من فائض تجاري بلغ العام الماضي 177 مليار دولار.
كما أن النجاح الذي ينعم به الاقتصاد الصيني، مصدره انخفاض الأجور، وبنية تحتية جيدة، ومراعاة قواعد الحفاظ على التوازن المطلوب، وانسجاما مع ذلك، تستكمل بكين صياغة القوانين واللوائح ليتوسع مدى انفتاح السوق الصينية على الخارج وتتحسن البيئة الاستثمارية باستمرار.
وزد على ذلك، تواصل عملية إصلاح النظام النقدي بخطوات ثابتة.وفي هذا السياق، دخلت اتفاقية التجارة الحرة بين الصين والبلدان الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) حيز التنفيذ مع بداية العام الجاري، في ساحة باتت الآن أكبر منطقة تجارة حرة في العالم، نظرا لأنها تشمل (7 ,1) مليار مستهلك بناتج محلي إجمالي مشترك قدره (3 ,1) تريليون دولار.
ومن المتوقع لها أن تأتي بالمنافع المتبادلة للصين وباقي الدول الموقعة على الاتفاقية، بالرغم من تخوف البعض من إمكانية ابتلاع الصين لاقتصاديات الدول المذكورة التي تشكل في الوقت نفسه مصدراً هاماً للعديد من الخامات التي يحتاجها الاقتصاد الصيني لمواصلة النمو، وخصوصاً خام النفط.
وبموجب هذه الاتفاقية، تُعفي التبادلات التجارية بين الصين، بروناي، إندونيسيا، ماليزيا، الفلبين، سنغافورة، وتايلاند من الرسوم الجمركية المفروضة على (7000) سلعة قبل سريان الاتفاقية، ومن المقرر أن تنضم فيتنام، لاوس، بورما، وكمبوديا إلى اتفاقية التجارة الحرة هذه بحلول عام 2015.