٠٨ يناير ٢٠١٠

الصين وهوس العارضات الأجنبيَّات

قد تصبح العارضة الأبرز بين عارضات الصين كندية شقراء عيناها زرقاوان تُدعى نيكول. دخلت نيكول (19 سنة) عالم عرض الأزياء في كندا منذ أربع سنوات. كانت تقدّم عروضاً خلال أسبوع الموضة في تورونتو، حين أخبرتها، على حد قولها، وكالتها أنها ستنتقل للعمل في الصين. وقّعت فوس عقداً للعمل في الصين مدته ثلاثة أشهر. ومع أنها لم تمضِ في بكين سوى شهر ونصف الشهر، ظهرت صورها في عدد من الكاتالوغات والمجلات والإعلانات.
محاولة رفع صوتها أعلى من الموسيقى الصاخبة في Touch، مقصد عارضي وعارضات الأزياء في فندق Westin Beijing Chaoyang تقول فوس: {أعشق العمل هنا. طبعاً، أرغب في العودة إلى الصين بعد انتهاء عقدي}.
لا تُعتبر فوس استثناء، إذ تتدفق العارضات الغربيات إلى جمهورية الصين الشعبية. فتنتشر صورهن في إعلانات المتاجر وكاتالوغات الألبسة ولوحات الإعلانات والدعايات ومنصات عرض الأزياء. بعضهن أميركيات وكنديات شقراوات أعينهن زرقاء، على غرار فوس ، وبعضهن الآخر أوروبيات شرقيات جذابات بشعرهن الأسود. أضف إلى ذلك مجموعة من شبان لوس أنجليس السمر الوسيمين الذين يتحلون بعضلات مفتولة ومعدة مقطعة. يستخدم هؤلاء وسامتهم للترويج لمنتجات مختلفة، من سراويل الجينز إلى الملابس الداخلية.
يكفي أن تتجول قليلاً داخل متجر Guiyou وسط بكين لتكوّن فكرة واضحة عما يدور في عالم الأزياء. ففي الطابقين الثالث والرابع، حيث تُعرض ملابس أهم المصممين من شانغهاي وشينتشين وقوانغتشو، ترى صوراً لشقراء تعرض حذاء يغطي الركبة وآخر أسود وأحمر عالي الكعب من أحذية Hongke. كذلك تشاهد فتاة شعرها أسود مقطّبة الوجه تعرض أزياء Baykal، ماركة محلية للمنتجات الصوفية. حتى الدمى التي تُعرض عليها الأزياء تتمتع بملامح غربية.
من المستغرب أن يعمد بلد يعد 1.3 مليار نسمة، نصفهم تقريباً من النساء، إلى استيراد العارضات، أو أن يرغب المصممون وأصحاب ماركات الثياب في استخدام الشقراوات أو الصهب في تسويق بضائعهم إلى أمة معظم مستهلكيها شعرهم أسود.
على رغم ذلك، يشهد استخدام العارضات الأجنبيات نمواً مضطرداً في صناعة الأزياء الصينية، إذ تسعى الماركات المختلفة لتكون {يانغي}، أي {على الموضة} أو بمعنى حرفي {أجنبية النمط} بلغة الماندرين الصينية. أما الماركات التي لا تعتمد إلا عارضات محليات، فتُعتبر {توكي}، أي {محلية بسيطة}.
توضح أنجليكا تشونغ، محررة مجلة {فوغ} الصينية: {هذا كله جديد نسبياً}، شأنه في ذلك شأن صناعة الأزياء الصينية. وتتابع موضحة: {يعكس هذا الواقع نمو صناعة الأزياء. لذلك باتت بحاجة إلى مجموعة متنوعة من العارضات. فإذا كانت الماركة صينية محلية، يلزم أن تُظهر مدى ملاءمة ملابسها للفتيات الغربيات، خصوصاً إن كانت تصدر منتجاتها إلى الخارج}.
تشمل العناصر الأخرى النقص النسبي في عدد العارضات الصينيات المحترفات. تذكر تشونغ: {تبدو العارضات الصينيات جامدات، ولا يملكن أي خبرة في التفاعل مع الكاميرا}. في المقابل، تتحلى العارضات الغربيات، اللواتي يكن أكثر احترافاً غالباً، بأسلوب مميز. وترتكز صناعة الأزياء في النهاية على بيع الأسلوب، كما الملابس والساعات.
يقول آو هايبين، رئيس وكالة يوامجين لعرض الأزياء في مدينة شينتشين، إن 20 إلى 30 وكالة لعرض الأزياء في الصين تستخدم أجنبيات وإن 300 إلى 500 عارضة أجنبية تعمل في الصين كل شهر بموجب عقود قصيرة الأمد تصل مدتها إلى ثلاثة أشهر.
يوضح آو: {يشعر عملائي أن منتجاتهم ستبدو عالمية إن استعانوا بعارضات أجنبيات}. لذلك هم مستعدون لدفع أجور أعلى تفوق أجور الصينيات بالثلث أو النصف أحياناً. أضف إلى ذلك نظرة الصينيين إلى ما يشكّل الجمال في عالم اجتاحته العولمة. يذكر آو: {تبدو وجوه العارضات الأجنبيات ثلاثية الأبعاد. لذلك تُعتبر أجمل في الصور}.
يتابع قائلاً إنه لا يستخدم مطلقاً عارضات سوداوات، عازياً ذلك إلى {أن عملاءنا لا يطلبون عارضات سوداوات، وذلك يتعلّق بنظرة الشعب الصيني إلى الجمال}.
أجور
يختلف أجر العارضة باختلاف العمل الذي تقدمه. تخبر نتالي تايدر (25 عاماً) من أوكرانيا أنها جنت في أفضل أشهر العمل 50800 رينمينبي، أي نحو 7440 دولاراً أميركياً. وتقول عارضات أخريات إنهن قد يحصدنا من عقد مدته ثلاثة أشهر بين 10 آلاف و30 ألف دولار. إلا أن على العارضة دفع بعض النفقات، التي تشمل غالباً ثمن بطاقة السفر إلى بكين.
تعيش عارضات كثيرات معاً في شقق. كانت تايدر في بداية عملها في الصين تقيم مع خمس عارضات في شقة تضم غرفتي نوم وحماماً، وكانت تدفع 878 دولاراً كبدل إقامة. لكنها انتقلت بعد ذلك إلى العيش مع زميلة فقط.
على غرار تايدر، تأتي عارضات كثيرات من بلدان أوروبا الشرقية، حيث تندر فرص العمل. تخبر تايدر أنها كانت تدرّس في الجامعة وحاولت دخول معترك عرض الأزياء والتمثيل في أوكرانيا، حين علمت بفرص العمل المتاحة أمامها في الصين. تذكر: {سمعت أن بإمكاني السفر إلى الخارج وجني المال. أنا في الخامسة والعشرين من عمري وبحاجة إلى المال}.
كانت جيزلان مويت ديكاتور (22 عاماً) تعرض الأزياء في لوس أنجليس عندما أخبرتها {وكالتها الأم} عن مكتشف مواهب قادم من بكين. تقول ديكاتور: {جلسنا معاً وتبادلنا الأحاديث طوال نصف ساعة}. وبعد أسبوعين، أرسل إليها بطاقة سفر إلى بكين.
كان مكتشف المواهب هذا مايك تشن (من لاس فيغاس). يقول تشن إنه يحضر إلى الصين بين 10 و15 عارضة شهرياً. وهو يدرك أن زبائنه في بكين سيعجبن بالعارضات. يوضح في هذا المجال: {صيفاً، يرغبون عادة في العمل مع الشقراوات. أما في الشتاء، فيميلون أكثر إلى صاحبات الشعر الداكن}، لأن الفرو يليق بهن. كذلك يفضل تشن العارضات الممتلئات قليلاً على الفارعات الطول. ويبقى الأهم من وجهة نظره {أسلوب العرض المميز}.
افتتان محليّ
براندون واربرواك أحد العارضين القلائل في بكين. كان يعمل مدرباً في نادٍ في جنوب كاليفورنيا ويشارك في بعض عروض الأزياء، حين أرسله تشن إلى الصين. وهو اليوم يخطط للعودة إلى هذا البلد، تعلّم اللغة الصينية. يقول واربرواك: {أحب الصين كثيراً}.
يوضح واربرواك وجهة نظره من الافتتان المحلي بالعارضين الأجانب. فيقول: {يعود هذا الافتتان إلى واقع أن الأجانب مختلفون في الشكل والمظهر. فقد تجد مليون عارض أزياء صيني. إلا أنهم يهوون ما لا يملكونه، العارضون الشقر الطويلو القامة}. كذلك {يعشقون العضلات المفتولة، وما من عارضين كثر يستوفون هذه الشروط}.
لكن حياة العارضة في الصين بعيدة كل البعد عن أن تكون سهلة. يشتكي معظمهن من العمل ساعات طويلة، مقارنة بعملهن في الولايات المتحدة وأوروبا. وقلما يحظين باستراحة غداء، هذا إذا لم يتناولن كيساً من طعام سلسلة ماكدونالدز. وإذا ازداد وزنهن، يُرسلن إلى ديارهن قبل انتهاء العقد.
فضلاً عن ذلك، يشتكين جميعهن من الاتصالات الهاتفية التي توقظهن باكراً. مثلاً تنهض فوس غالباً من الفراش في الثالثة أو الرابعة صباحاً. توضح: {يعملون هنا في ساعات غريبة}. في كندا، {ما كنا نبدأ جلسة تصوير قبل التاسعة... حتى أنهم يعملون في نهاية الأسبوع}.
علاوة على ذلك، تسبَّب حاجز اللغة بمشاكل كثيرة. مثلاً، فهمت تايدر ذات مرة أنها ستشارك في جلسة تصوير، غير أنها لم تعرف أين. فانتهى بها المطاف إلى رحلة على متن قطار متجه إلى عمق مانغوليا دامت 10 ساعات في طقس شديد البرودة، وهي ترتدي قميصاً وخفين ولا تحمل معها أي أمتعة.
لكن معظمهن يعتبرن الصين المدخل الجديد الأبرز إلى عالم عرض الأزياء. يذكر واربرواك: {إذا نجحت في تخطي مخاوفك كافة، يمكنك عرض الأزياء في الصين. إذا كنت تستطيع تحمل أن تتوه يومياً من دون أن تدري السبيل إلى طلب طعامك وأن تنظر إلى الرموز طيلة النهار، ستحب الصين. وإلا فستكرهها. وحدهم الأقوياء ينجحون في الصين}.

أهم الأخبار

اليوم السابع

عشق الصين

سجل الزوار