بدأت عدة دول آسيوية مؤخرا بث قنوات تلفزيونية باللغة العربية، فبعد قناة "روسيا اليوم" عام 2007، كانت فضائية كوريا الجنوبية، ثم الصين التي بدأت قناتها العربية البث الشهر الماضي. وبالنظر لتاريخ العلاقات الاستراتيجية التي ربطت الاتحاد السوفيتي بنظم تقدمية في المنطقة وأفريقيا فإن قناة روسيا اليوم تتكيء على تراث قديم وإن خبا لبعض الوقت، أما كوريا فقناتها التي كانت تبث تجريبيا لشهر تقريبا ثم بدأت البث الرسمي هذا الشهر تقدم بعضا من الثقافة العامة عن هذا البلد، وسبقتها بعض المسلسلات الكورية التي تم ترجمتها أو دبلجتها بالعربية وحظت بنسبة مشاهدة، الصين آخر القادمين، حيث علاقة الحكومة الصينية بكثير من النظم الحاكمة بالمنطقة جيدة، ويجري دوريا توقيع الكثير من الصفقات تجارية وعسكرية، وتستثمر الصين مؤخراً في شراء أراض بدول عربية لزراعتها بمحاصيل تستفيد الصين بحصادها. ولكن بالنسبة للمواطن العادي فالصين موجودة دائماً في منزله:في الحقيقة في أركان الكثير من منازل المنطقة حيث الإغراق الاقتصادي الكبير الذي شهدته الأسواق العربية ومنذ الثمانينات بمنتجات صينية ذات مستويات مختلفة من الجودة.
وانطلقت القناة الجديدة المسماة "القناة العربية الدولية التابعة لتلفزيون الصين المركزي" رسميا في 25 من يوليو من هذا العام، وعلى مدار 24 ساعة يوميا، وذلك بعد انطلاق قنوات دولية باللغات الصينية والإنجليزية والفرنسية، وبدأ التلفزيون التحضير لإطلاق قناته العربية في سبتمبر 2008، ويعتبر القائمون على القناة أنها دليل على قدرة بلادهم على تعزيز تأثير الإعلام الدولي، كما يعتبرون أنها إجراء جوهري لتلفزيون الصين المركزي ليثبت وجوده في مناخ العولمة حيث تتعدد اللغات وتتنافس القنوات في تقديم التغطية الشاملة لمشاهديها ومهورها المستهدف أينما كانوا.وكان نائب رئيس التلفزيون الصيني "تشانغ شانغمينع" قد أكد أن القناة الجديدة "ستشكلجسرا هاما لتعزيز الاتصال والتفاهم بين الصين والبلدان العربية".ويتكون فريق عمل القناة من 80 شخصاً، أما المذيعون فمن الصينيين الناطقين بالعربية.ويتوافد العديد من الصينيين إلى مصر وسوريا لتلقي دروسا في اللغة العربية وبعض العلوم الإنسانية، كما توجد أقسام لتعلم العربية الفصحى بمعاهد وكليات في الصين.ومع اعتماد الفصحى في برامجها وموادها المعربة تتخطى القناة الوليدة حاجز اللهجات المحلية بالبلدان العربية، وان لم يمنع هذا أن ينسى المذيعون مسألة التأنيث والتذكير، أو تستمع لكلمات غريبة النطق بسبب اختلاف المناخ الصوتي للغتين، أو لحدوث إبدال حرف محل آخر، وهو الخطأ الأكثر شيوعا.
ويقول سعد هجرس مدير تحرير العالم اليوم، المطبوعة الاقتصادية اليومية في مصر، أن الصين ليست بحاجة لقناة لتسويق تجارتها المتوسطة فهي ليست بحاجة لقناة لأجل هذا الغرض الحاصل بالفعل على الأقل في الوقت الحالي، كما أن الصفقات التجارية أو التسليحية الكبرى تتم غالبا بالتفاهم بين القيادات الحاكمة الصينية ومثيلتها العربية، لكنها قد تستخدمها لاحقا لتحسين صورتها في العالم العربي خاصة أن الإعلام العربي ينقل انتهاكات طالت حقوق وحريات مواطنين مسلمين بالصين.وفي تصريح سابق قالت الدكتورة جيهان البيطار أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة أن الصين على درجة من الذكاء بأن تتجه للدول العربية لأن عدد شعوبها لا يمكن الاستهانة بهم خاصة من ناحية الاستفادة الاقتصادية، وعارضت فكرة اختزال القناة في أنها أداة غزو الثقافي مؤكد أن مثل هذه المصطلحات وغيرها مثل الحصار الثقافي هي مصطلحات "تجاوزها الزمن" وأن المشاهد يمكنه الاختيار بين المئات من القنوات الفضائية فلم يعد هناك قيد عليه.وفي بداية العام نقلت صحف صينية أن السلطات مستعدة لتخصيص 45 مليار يوان (نحو خمسة مليارات يورو) لتطوير وسائل إعلامها.ولم تعلن القناة عن ميزانيتها لكنه - وكما يتضح في تصوير برامجها الخاصة القليلة التي تبثها من بكين وعواصم عربية – فإن القناة تستفيد بإنتاج سخي وقبل ذلك بتكنولوجيا جيدة.وتقوم القناة الجديدة بتغطية الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من خلال قمري عربسات ونايلسات وتغطية منطقة آسيا والباسفيك من خلال القمر الصناعي 6B ليشاهدها نحو 300 مليون مشاهد في 22 دولة بالعالم العربي.وفي برنامج حواري حول آفاق التعاون الاقتصادي استضافت القناة معلقا صينيا وآخر عربيا متحدثا من قطر لمناقشة عدم وجود استثمارات صناعية صينية، حيث أشاد الطرفان بتنامي التجارة الصينية العربية، رغم الميل الواضح في الميزان التجاري لصالح الصين. ويدفع الحوار حول الشأن الاقتصادي بصفة عامة في القناة إلى النقاش العام دون التطرق للقضايا الجزئية والمؤثرة، فمثلا يتجاهل الحوار المشار له بحث إلى أي مدى تخدم التجارة الجانب الصيني فيما تعزز الأسعار الرخيصة نسبيا لكثير من السلع الصينية قدرتها على المنافسة مع سلع مماثلة مصنعة عربيا، مما أدى لإغلاق كثير من الوحدات الإنتاجية الصغيرة في دول عربية أو مدى جودة (وربما أيضا جدوى) الكم المهول من السلع الصينية الاستهلاكية والكمالية المصدرة للمنطقة. كما لا يتم التطرق -حتى الآن - إلى وجود كثير من الماركات الصينية المقلدة لأخرى عالمية أو كيفية ضبط عمليات التصدير غير القانونية أو ظاهرة العمالة الصينية الوافدة والتي تعمل غالبا بصورة غير شرعية.
رفع الحرج:
وتعتمد نظم تسلطية بالمنطقة كالنظام السوداني على الصين في التسلح كما تشارك الصين في تدريب بعض قواته بالأخص الجوية. ووجهت الصين بانتقادات عنيفة مؤخرا بسبب هذا الدور كون الطائرات والسلاح الصيني يستخدم لقمع المدنيين في إقليم دارفور غرب البلاد. ولم تتناول تغطيات القناة التحليلية ملف دارفور.وبالمقابل لم تغط القناة ما حدث من مواجهات عنيفة في يوليو الماضي بين الاويغور المسلمين الناطقين بالتركية واثنية الهان التيتشكل الغالبية في الصين، في ارومتشي عاصمة إقليم شينجيانغ الصيني الذييتمتع بحكم ذاتي.وتحافظ القناة على لغة محايدة، وتبتعد عن الأوصاف القيمية والأحكام التفضيلية، مثلما الحال في تقاريرها عن حركة المقاومة الإسلامية - حماس بالأراضي الفلسطينية، فيما تجدها تصف مثلا جماعة جند الإسلام التي اصطدمت بحماس قبل يومين بأنها جماعة متطرفة. كما لم تتناول القناة أي ملف يخص شأنا داخليا عربيا ينتقد أيا من الحكومات القائمة.
أكروبات
ورغم أن المادة الحية والحوارية هي الأقل بين مضمون مواد القناة فان البرامج الثقافية عن الحياة والطبيعة والفنون بالصين ليست بالمواد التقليدية المعلبة أو الدعائية الفجة، بل تمتاز بجاذبية واختيار بارع، ومنها فقرات عن الصناعات القديمة والملابس ومقطوعات عزف لآلات النفخ وألعاب الأكروبات الصينية التي لديها جمهور قديم بالمنطقة، وهناك برنامج لتعليم اللغة وان كانت لا تزيد عن ترجمة لحوارات وكلمات دون توضيح قواعد كتابة الأحرف أو النطق. ومعظم البرامج في حدود نصف الساعة إلى أقل من ساعة، ويمكن مشاهدة محتواها بعد يوم من إذاعتها عبر موقع القناة الاليكتروني على شبكة الانترنت الذي لا يشمل إلا القليل المكتوب كنص من هذا المحتوى أو بعضه. كما يفتقد الموقع للتعريب في بعض العناوين خاصة في مواد الفيديو.وتخدم القناة العربية الدولية مشاهدي المنطقة العربية بشكل رئيسي. وتركز القناة على نشرات الأخبار التي بالإضافة إلى البرامج الثقافية والخدمية والبرامج التعليمية والترفيهية ويتكرر بث الأربع ساعات من البرامج لست مرات يوميا فيما تجدد نشرات الأخبار في حينها .. وتشتمل برامج القناة على 9 برامج رئيسية منها "الحوار" و"نافذة على الصين" و"أفلام وثائقية" و"الفنون الصينية".
تعاون عربي صيني
وانطلقت فكرة القناة عمليا قبل 4 سنوات ضمن أعمال منتدى التعاون الصيني العربي، الذي حث على إقامة قناة صينية بالعربية وأخرى عربية باللغة الصينية.وبدأت فكرة المنتدى مع زيارة الرئيس هو جينتاو رئيس جمهورية الصين الشعبية بزيارة إلى مقر جامعة الدول العربية في 30 يناير عام 2004 حيث التقى السيد عمرو موسى الأمين العام لجامعة العربية والمندوبين الدائمين للدول الأعضاء. وبعد هذا اللقاء، أعلن وزير الخارجية الصيني لي تشاوشينغ والسيد عمرو موسى تأسيس منتدى التعاون الصيني العربي بإصدار "بيان مشترك بشأن تأسيس منتدى التعاون الصيني العربي".وطرحت الفكرة في الدورة الأولى للمنتدى في بكين عام 2005 وفي الدورة الثانية للمنتدى بالرياض مارس عام 2007 نوهالمشاركون بما يقوم به الإعلام الصيني بالتعريف بالحضارة الصينية والصينبشكل عام وشجعوا فكرة إقامة جمهورية الصين الشعبية قناة متخصصة تبث باللغةالعربية على غرارCCTV-9التي تبث باللغة الإنجليزية وتشجيع الجانب العربي لإقامة قناة مماثلة أو أكثر.وفي مايو من هذا العام بتونس وخلال أعمال الدورة الثالثة لمنتدى الحوار ثمن الحضور قرار الصين إطلاق القناة الجديدة.
الموقع الإليكتروني للقناة: http://arabic.cctv.com/01/index.shtml